المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالعظيم Headshot

السيسي الذي لا يعرف أنه لا يعرف

تم النشر: تم التحديث:

إن كنت مصرياً، ومهما كان عمرك، وبغض النظر عن حالتك المادية أو الاجتماعية، فلا بد أنك قد سمعت وتحدثت عن "أوضاع البلد غير المستقرة"، أو نما إلى مسامعك مصطلحات مثل "الأزمة الحالية" أو "أن مصر تمر بمنعطف خطير"، وبتأكيد سمعت عن "عنق الزجاجة" التي لا نخرج منها أبداً.

اتسم الخطاب الحكومي المصري منذ الحقبة الناصرية وإلى الآن باتباع خطاب "الأزمة"، ذلك الخطاب الذي يتبنى دائماً الحديث عن وجود مشكلة اقتصادية، تلك المشكلة التي دائماً ناتجة عن مشكلات أخرى ابتداءً بالحرب مع الاحتلال الإسرائيلي، مروراً بالمشكلة السكانية، وانتهاءً بالحرب ضد الإرهاب وتكالب قوى العالم علينا.

لكن حتى بعد انتهاء تلك المشكلات، تبقى المشكلة الاقتصادية قائمة لتقترن بالمشكلات الجديدة المتولدة.. فنحن في مصر لا نعيش دون مشكلات.

قد كانت المشكلة الاقتصادية في الحقبة الناصرية ومشكلة المواد التموينية وما اتسمت به تلك المرحلة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأن الوطن في حالة حرب، وعلى الجميع أن يتحمل، فالعدو على أبوابنا الشرقية يترصدنا.

وبالانتقال لفترة السادات، وبعد انتهاء الحرب التي كانت العائق أمام التنمية واتجاه الرجل إلى الانفتاح وعقده السلام، بدأ الرجل في تحوله النسبي من الاشتراكية إلى الرأسمالية، وبدأ بنشر وعود الرخاء الذي جاء وذهب ولم يشعر به المصريون، ولكن المصريين لم ينسوا انتفاضة الخبز، أو كما سماها السادات "انتفاضة الحرامية".

لتحل فترة مبارك التي من الممكن أن نطلق عليها حقبة "الطوابير"، فكانت مشكلتا الخبز وأسطوانة البوتاجاز متلازمتين لعهد مبارك، ولم تخلُ مصر من احتجاجات اقتصادية من أبرزها احتجاجات عمال المحلة الكبرى عام 2008.

ليأتي عبد الفتاح السيسي؛ ليحصد ما تمت زراعته في الستين عاماً السابقة، ليحصد بيروقراطية ناصر، وتضخم السادات، وفساد مبارك، كما أنه تبنى حرباً جديدة على الإرهاب؛ لتزداد الأمور سوءاً، وليتخذ الرجل سياسات اقتصادية صارمة، سياسات لم يكن من الممكن أن يُقدم عليها أحد ممن سبقوه.

ولكن مع كل تلك المشكلات والأزمات الاقتصادية، كانت تحاول الحكومات السابقة مواجهتها ببعض الحلول، ومحاولة خلق بعض سُبل الإصلاح والتنمية، تلك التنمية التي كانت أشبه بالمُسكن لا العلاج.

1- ناصر

اتسمت فترة حكم جمال عبد الناصر بمحاولات ضخمة للاستفادة من موارد مصر التي كانت متوافرة منذ العهد الملكي، فقام الرجل وحكومته بإنشاء نهضة صناعية ضخمة، تمثلت تلك النهضة في العشرات من المجمعات الصناعية العملاقة والشركات المنتجة الضخمة، تلك الشركات والمصانع التي استوعبت الملايين من العمال، كما أن الرجل لم يغفل عن الزراعة، فكان إنشاء السد العالي كفيلاً بتحقيق توسع ضخم في الرقعة الزراعية، كانت تلك الأمور وغيرها كفيلة بتحقيق توازن نسبي لحل المشكلة الاقتصادية.

2- السادات

رسم السادات الخطوط العريضة لانسحاب الدولة تدريجياً من دورها في عملية التنمية والاقتصاد، ليسير خُلفاؤه على خطاه، ولكن الرجل أبقى على مصانع وشركات ناصر، ولكنه بدأ سياسته الرأسمالية، وبدأ بالسماح بالاستثمار وأطلق سياسات السوق الحرة، كما أن دول الخليج النفطية جاءت لتكون عوناً باستقبالها الآلاف من العمالة المصرية، وساعد كل ذلك على تخفيف العبء عن عاتق الدولة، لم تكن تلك السياسات كافية لكنها ساعدت نسبياً.

3- مبارك

لم يختلف عن سابقه كثيراً في اتباعه لسياسة ترفُّع الدولة عن القيام بواجبتها الاقتصادية، ولكنه في عقوده الثلاثة، اتبع سياسة الخصخصة؛ لينهي الرجل علاقة الدولة بالإنتاج، ويوفر بعض الأموال لحل مشكلات البلاد، ولكن الرجل تفوق على السادات واستطاع حل بعض المشكلات الاقتصادية، مثل مشكلة الاحتياطي النقدي، كما أن علاقته القوية بدول الخليج والجارة الليبية وعلاقته مع العراق أدت لزيادة أعداد العاملين بالخارج؛ ليكونوا ملايين العاملين في مختلف المجالات، كما أن نظام مبارك استطاع النهوض بالسياحة بصورة غير مسبوقة؛ ليحقق منها دخلاً ضخماً ساعد على توفير مليارات الدولارات سنوياً، ولكن مع كل هذا الإنجاز كانت مصر تغوص في مستنقع من الفساد والتعفن البيروقراطي، وانخفضت قيمة العملة المصرية أضعافاً مضاعفة عما كانت عليه سابقاً، كما أن القوات المسلحة أصبحت لاعباً حيوياً في المجال الاقتصادي بصورة غير مسبوقة.

4- المشير

استطاع عبد الفتاح السيسي الاستيلاء على حكم مصر، منذ ما يقرب من أربعة أعوام وهو يحكم، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولكنه فعلياً هو المتصرف الفعلي في شؤون البلاد طوال تلك الفترة.

ولكن طوال فترة حكمه لم يظهر الرجل أي خطة اقتصادية أو تخيل لعملية الإصلاح، فالرجل العاشق للمشروعات القومية الضخمة غير الفعالة مثل مشروع قناة السويس الجديدة أو العاصمة الإدارية أو حتى المليون ونصف المليون فدان، تلك المشروعات الإعلامية التي لم تحقق شيئاً على أرض الواقع، كما أن الخطط التي اتبعها الرجل لإصلاح الاقتصاد هي نظريات لا ترتقي لإدارة محل بقالة لا لإدارة دولة بحجم مصر وتعدادها السكاني، فالدول لا تُدار بصندوق تحيا مصر، ولا تُقام على "الفكة" و"التصبيح" على مصر.

لقد حظي الرجل بما لم يحظَ به غيره، فإن افتخر مبارك بمليارات حرب الخليج الستة، فقد حصل السيسي على أربعين ملياراً وبلا حرب، ولم يُستفد منها؛ بل لم نعرف أين ذهبت تلك الأموال أصلاً.

لم يُبقِ السيسي قطاعاً حكومياً ليُباع ويُنفق منه على البلاد، كما أن دول الهجرة بدأت توصد أبوابها، فالعراق أصبحت أثراً بعد عين، وليبيا لا تعرف لها حكومة، كما أن دول (الأرز) النفطية تعاني تلك الأيام من حروبها وانخفاض أسعار النفط، فلم تعد قادرة على المنح ولن تتقبل مهاجرين جدداً.

تكمن مشكلة ذلك الرجل أنه أراد الحكم ولكنه لا يعرف كيف يديره، فهو بلا خطة واضحة، ولا نعرف ماذا سوف يرتكز لتسير البلاد، كما أنه لا يتوقف عن الحديث عن أمور مثل التقشف والتحمل وأمور أخرى لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكن تبدو المشكلة الأكبر أن الرجل لا يعرف أنه لا يمتلك أي خطة أو رؤية للمستقبل ويتعامل بانعزال عن الواقع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.