المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبد الغني  Headshot

معرض الكتاب أم سوق الكتاب؟

تم النشر: تم التحديث:

كانت البداية كارثية لتعبّر عما نحن مقدمون عليه، فأول الأمر غرقت الكتب في معرض الكتاب، ولم تكن هذه الكارثة ولكن الطامة الكبرى أنني لم أحزن لأجل هذا الأمر، ولم أتأثر حتى قليلاً رغم عشقي للكتب، ورغم أنني أؤمن أن كل كتاب مهما كان مستواه، سأجد به عالماً آخر وربما فكرة تهديني للأفضل، حاولت ثانية أن أحزن أو أتأثر لأجل غرق معرض الكتاب، ولكني لم أستطِع ففكرت قليلاً: لماذا؟

على الفور وجدت عقلي يسرد لي ما حدث للكتب في السنوات الماضية، بدايةً من نشر نوع واحد من الأدب لا يوجد غيره، فللأسف قررت أغلب دور النشر إلا من رحم ربي أن تفرض على القارئ نوعاً واحداً أو اثنين من أكثر أنواع الأدب سطحية، وألا تقدم أي شيء آخر؛ ليصبح الكتاب عظيماً في حجمه، رائعاً في خاماته ضحلاً في محتواه بل أكثر من ضحل.

ودعوني أخبركم بشيء لم أخبر به أحداً من قبل، أنا لم أذهب لمعرض الكتاب منذ ثلاث سنوات مضت، ولن أذهب والسبب بكل بساطة أن الأمر تحول لنزهة وبضعة كتب أغلبها عديمة القيمة، مكدسة وبجانبها بضعة كتاب، حالمين يحاولون ترويج سلعهم الرديئة في الغالب.

والأسوأ من ذلك جهلهم بمدى رداءة سلعتهم، ربما لو انتظر بعضهم قليلاً حتى ينضج قلمه فكرياً لأصبح له شأن آخر، ولكن للأسف نحن جميعاً أصبحنا نتعجل الأمور وللأسف أيضاً بعض الناشرين يتعمد خداع هؤلاء الشباب، لأجل المزيد من الربح دون أن يكترث لمستقبل الثقافة ولا لكمّ العقول التي يهدمها كل يوم بنشر الخرافات.

وأذكر فيما مضى عندما بدأت مسيرتي كان هناك أساتذة عظام يعملون على توجيهنا إلى الأفضل، من حيث اللغة والأسلوب، ولكن الآن عندما ذهبت منذ عدة أعوام مضت لمعرض الكتاب، شعرت للوهلة الأولى أنني أخطأت، وربما ضللت الطريق وذهبت لإحدى الأسواق، ولكني عندما عثرت على الأحلام الضائعة في أعينهم، علمت أنهم كُتاب ضلو طريقهم إلى هذا المكان، يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه ببيع نسخة أو ربما التقاط بعض الصور لنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

وحتى أكون منصفاً لقد وجدت كل شيء في هذا المعرض، ربما الطعام والشراب والنزهة والصحبة، ولكن بقي شيء واحد غائباً عن المشهد ألا وهو الفكر يا سادة، الذي حُرم علينا بفضل بضع دور نشر لا تسعى خلف أي شيء سوى المكسب السريع، تُكدس الكتب أمام المارة بالآلاف وجميعها بلا جدوى ولا قيمة تُذكَر، وكأننا نعاقب القارئ المصري على حبه للقراءة بمثل هذه الأعمال الرديئة.

فمنذ زيادة الإقبال على معرض الكتاب، قررت دور النشر أن تقدم لنا كل ما هو رديء، وكل ما هو ممل، وتتنافس فيما بينها لتقديم الأسوأ، إلا القليل منها يحاول من حين لآخر أن يقدم شيئاً جيداً، ولكنه يبدو خفيّاً وسط الزحام، وبالطبع خلال السنوات القادمة سيؤدي هذا لعودة العزوف عن الكتب وستكون النتائج كارثية للجميع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.