المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبد الناصر Headshot

هل صدقي صبحي هو الحل؟

تم النشر: تم التحديث:

منذ عام تقريبا، نشرت مقالا بعنوان "قبل أن يرحل الرئيس"، طرحت فيه افتراضية تقول إنه في حالات متكررة لاستيلاء عناصر غير متجانسة أو مركبة بشكل مشترك على السلطة في بلد ما، فإنها لا تتقاسمها لفترة طويلة، ولكن الخلافات قد تظهر بعد فترة، ثم يطيح أحد هذه العناصر بشريكه.. مستدلا على ذلك بأمثلة شهيرة في المنطقة العربية منها تجارب جمال عبدالناصر ومحمد نجيب، هواري بومدين وأحمد بن بلا، صدام حسين وأحمد حسن البكر، فضلا
عن وجود تجارب مشابهة أيضا في دول العالم الآخرى.

طبعا هذا ليس قانونا فيزيقيا صلبا، لكنها كما ذكرت فرضية تكرر أن تتحقق، وربما لا تتحقق في بعض الأحيان، واقترحت أن وضعا مشابها قد يكون مرشحا للحدوث في مصر الآن بين عبدالفتاح السيسي ووزير دفاعه الفريق أول صدقي صبحي..! فهل هذا في طريقه للحدوث فعلا؟ وماذا يمكن أن يترتب على كل من الاحتمالين؟

عبدالفتاح السيسي الذي حصل على عدة ترقيات استثنائية في وقت قصير قبل أن يضع نفسه على مقعد الرئاسة في يوليو 2013، لم يكن في الحقيقة أقدم جنرالات القوات المسلحة وقت ترشحه، ولا يمكن إغفال نظرة العسكريين لعنصر الأقدمية والتنافس بينهم في مثل هذه الأمور، وربما لهذا السبب كان عدم دعم القوات المسلحة لأي مرشح في الانتخابات التالية ليناير 2011 مباشرةً أمرًا ممكنا، لأن أقدم القادة لم يكونوا راغبين في التقدم، ولم يكن من الممكن أن يتخطى أحد من هو أقدم منه، فحدثت الانتخابات التي فاز فيها محمد مرسي، بعكس ما حدث في حالة السيسي الذي ترشح بعد اجتماع المجلس العسكري وإصداره بيانا بتفويضه للترشح للرئاسة، لم يتخذ بالضرورة بالإجماع.

التحولات التي تحدث في المنطقة العربية، وفي العالم أيضا لا تؤثر تأثيرا إيجابيا لتمهيد الأرض أمام الاستمرار الطويل للسيسي في رأيي، وإن كان المجال لا يتسع هنا لاستعراضها كلها.

أما داخليا في مصر، فوجود حالة من تباين وجهات النظر في القوات المسلحة تتأثر بهذه العوامل الخارجية إلى جانب العناصر الداخلية الخاصة بالمؤسسة والدولة لا يعطينا مؤشرات صحية بالمرة، وقد كان وضع مشابه في البرازيل في الثمانينات سببا في توجه الرئيس العسكري وقائد الجيش السابق جواو فيغريدو إلى إعادة عملية الدمقرطة في البلاد خوفا من تمزق القوات المسلحة وتبعات صراع الأجنحة فيها.

إن مثل هذه النوعية من التباينات لا يمكن تشجيعها أو اعتبارها مؤشرا حميدا على استقرار البلاد، فسلامة القوات المسلحة وتماسكها أمر في مصلحة كل مصري، وإزالة الحواجز أمام التفكير في تبديل سلطة جاءت بانقلاب عسكري بسلطة أخرى تأتي أيضا بانقلاب عسكري سيجعل العجلة تدور ولا تتوقف حيث نريدها أن تتوقف، إلا أن يقف الناس في يوم ما لتقرير طريقة جديدة لتداول السلطة، وتتجه المجموعة الحاكمة طواعية إلى إقرارها لإنقاذ البلاد من تبعات غياب آلية ديمقراطية لتداول الحكم، وهذا ما لم يعرفه كل حكام مصر العسكريين منذ بدء الديكتاتورية العسكرية في 1952 إلى الآن.

إن غياب التداول إلى جانب عناصر التأثير الخارجية مع احتمالية حدوث الافتراضية التي طرحناها في البداية يجعلنا أمام احتمالين: إطاحة السيسي بصبحي كإجراء استباقي والإتيان برئيس الأركان الحالي الذي تربطه بالسيسي صلة قرابة عائلية وزيرا للدفاع، هذا سيترتب عليه أمرين: الأول أن يتحول الجيش المصري إلى جيش عائلي يعمل لصالح مجموعة محددة من الأفراد، ولن يكون رئيس الأركان الحالي آخر قريب يتولى منصبا في الجيش أو المؤسسات الأمنية، فالسيسي ابن ثقافة توريث مصرية أصيلة، وثلاثة من أصل أربعة أبناء له هم ضباط.

ثانيا سيطرة السيسي من خلال العائلة على كل مفاصل السلطة في مصر وغياب الشركاء والتهديدات المحتملة ستفتح أمامه الباب أمام تحولات جذرية في سياساته كما فعل السادات بعد أحداث ما سماه "ثورة التصحيح"، قد تبدأ هذه التغييرات من أول الانقلاب على الخليج والانفتاح على إيران والتحالف معها ومع "ما تبقى" من النظام السوري الحالي، وربما تمتد معه الحالة إلى إعادة النظر في السياسات المصرية القديمة المتبعة مع الولايات المتحدة أيضا، وربما يظهر له فجأة وجه آخر مع إسرائيل، وجه الدرويش الحالم بالسيف الأحمر المكتوب عليه "لا إله إلا الله"، فنكون قد دخلنا في تجربة أشبه ما تكون بتجربة عيدي أمين في أوغندا، أو صدام حسين في العراق، وكل منهما انتهى.. لكن بنهاية لا تسر أحدا.

الاحتمال الثاني هو إطاحة صبحي ومن ورائه الجزء الأكبر من الجيش بالسيسي، مع إعفاء رئيس الأركان من منصبه، وبدء مرحلة انتقالية جديدة، تنتهي على الأرجح بوصول صبحي إلى السلطة، لكي تكون بعدها خيارات التحاور بين جميع الأطراف موجودة.

إن عنصر الإخوان المسلمين والإسلاميين ليس غائبا بالطبع من التأثير في المشهد، لكن مطالبهم المتعلقة بعودة مرسي مستحيلة في رأيي وسيتم التراجع عنها في حال غياب السيسي، كما أن توجه قطاع من شبابهم للعمل العنيف والمسلح تحت مسمى "العمليات النوعية" والسلمية المشروطة، كل هذا سيسحب من رصيد قدرتهم السياسية في حال انفتاح الآفاق للتحاور، وسيجعلهم مثار ريبة من بقية الأطراف، كما أن آثاره لن تُنسى، ولن يُحقق نجاحات.. العنف ضرر كله، ويجب عليهم أن يراجعوا أنفسهم لأن احتمالات تغير الوضع السياسي في مصر قائمة، حتى بغير هذا الذي يفعلونه.

المشكلة هنا هي أن صدقي صبحي قد لا يكون حلا، فربما لا ينجح في التفاوض والوصول إلى تسوية سياسية تتنتهي إلى استقرار البلاد، وربما تظل مشاكل المرحلة الحالية قائمة كما هي مع تغير الوجوه لا أكثر، معارضة تزايد على نفسها ولا تريد استعمال أدوات السياسة، وسلطة لا تريد التسوية وتستقوي بالسلاح ولا تثق في المدنيين بشكل عام.

إن وجود فعل سياسي في أي بلد يحفز الوصول إلى الديمقراطية، لكن المشكلة هي أنه لا توجد فعليا في مصر حياة سياسية حتى لو رُفعت الوصاية العسكرية طواعية عن الحكم، الحركات السياسية لا تريد أن تعمل وتتحرك وتتفاعل مع الواقع، تريد أن تصل إلى السلطة أو أن تحاول إسقاط من في السلطة فقط، وهذا تسبب في غياب ثقافة الانتخابات عن مصر، المعارضون لا يريدون أن يدخلوا الانتخابات بحجة أن خصومهم في السلطة وهذا يعطيهم الشرعية، كأن امتناعهم عن الانتخابات هو الذي سيسقط النظام فجأة، هذا الكلام يقال في كل مرة منذ يناير 2011.

الانتخابات التي أنهت بالتدريج عصر الانقلابات العسكرية في تركيا وجعلت المعارضة البيرونية على قمة السلطة في الأرجنتين، الانتخابات التي لا يريد المصريون أن يشاركوا فيها هي مفتاح الحل، لكن دائما هناك من يغيب بحجة معقولة أو واهية، لذلك لم نحصل أبدا على تمثيل برلماني حقيقي للشعب المصري، قد لا يكون التمثيل المثالي،لكنه قد يفتح الأفق للتغيير فيما بعد.

إن أكثر ما أخشاه هو أن تكون حالة التجريف السياسي الحاصلة في مصر الآن، سببا في ألا تستقر البلاد حتى لو رحل السيسي وقام المجلس العسكري الذي سيتولى السلطة بالتبعية بالتفاوض مع جميع الأطراف بشكل جاد لنقل الحكم، مع أخطائه وعيوبه الموروثة، فهذا تقريبا حدث من قبل وتم تسليم السلطة ولم يتمكن المدنيون من الحفاظ عليها.

أجل، صدقي صبحي ليس حلا.. لكن فتح الجيش لأفق حوار جديد، قد يكون ممهدا لمرحلة انتقالية لو أحسن المدنيون استغلالها ربما تعوض عما فات، هذا.. أو نترشح لنيل كأس في إضاعة الفرص.