المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالحميد Headshot

ثلاثون يوماً بلا سوشيال ميديا

تم النشر: تم التحديث:

هل تشعر أنك أصبحت مدمناً على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المحادثات؟ هل فكرت يوماً في التوقف عن استخدامها؟ هل حاولت ولم تفلح؟ هل تعتقد أنه لا يمكنك فعل ذلك؟

أعتقد أننا جميعاً لدينا تجاربنا الشخصية في محاولة التوقف عن استخدام السوشيال ميديا، سواء مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى تطبيقات المحادثات، نقوم بمسح بعض هذه التطبيقات أو جميعها أو إلغاء حساباتنا على مواقع التواصل الاجتماعي وغير هذا من الأفعال التي تكون اندفاعية بعض الشيء نتيجة حادثةٍ ما، ثم لا نلبث أن نعود إلى استخدامها من جديد.

قد يتعلق الأمر بأن هذه المواقع أصبحت هي مصدر المعلومات والأخبار الأهم أو قل الوحيد حالياً بالنسبة للكثيرين، وربما لأنها تعتبر المنصة الوحيدة المتاحة للكثيرين للتعبير عن آرائهم في شتى الأمور والأحداث بحرية، ليست مطلقة بالتأكيد، أو ربما لأن هذه المواقع والتطبيقات تداخلت بشكل مباشر مع بيئة العمل الخاصة بنا، كما أنها وسيلة للتواصل مع الآخرين بشكل دائم على مدار اليوم، ولا يمكن إغفال حقيقة أنها مُستهلِك جيد لأوقات الفراغ، عموماً حتى وإن كان السبب الرئيسي لإقدامك عليها أنها تمنحك قدراً من الشعور باهتمام الآخرين وتقديرهم، المهم أننا لا نستطيع أن ننكر أنها أصبحت تشكل جزءاً لا يمكن اجتزازه من روتين حياتنا اليومي.

لا أعتقد أن مجابهة التكنولوجيا والتطور فكرة سديدة على الإطلاق، وأرى مثل الكثيرين أن الصواب هو محاولة تطويعها والاستفادة منها قدر المستطاع وتلافي آثارها السيئة؛ لذا قررت أن أخوض تجربة التوقف عن استخدام السوشيال ميديا، ولمدة ثلاثين يوماً، وذلك بمعطيات قد تضيف إلى التجربة شيئاً من الصعوبة؛ نظراً لعدم وجود بدائل؛ إذ إن معظم اهتمامات شاب في نهاية العشرينات من عمره لا يمكن القيام بها بقدم مكسورة، ولكن لا بأس فقد كان لدي دوافعي الخاصة.

المرحلة الأولى.. عزيمة البدايات
بدا لي الأمر أسهل مما كنت أتخيل، ففي أيامي الأولى لم أشعر بالحاجة إلى استخدام السوشيال ميديا، وقد قمت مسبقاً بمسح هذه التطبيقات من هاتفي، كما أنني أوقفت خدمة الإنترنت الخاصة به، كل ما كنت أحتاج إليه هو مطالعة بريدي الإلكتروني عبر حاسوبي بشكل يومي لارتباطه بالعمل والكتابة؛ لذا مرت أيامي الأولى بسلام.

المرحلة الثانية.. جهل تام
وهي حالة تصاحب كل مراحل هذه التجربة بلا استثناء، أما عن شواهدها فهي تظهر أثناء المناقشات العامة، فتكتشف تدريجياً أنك لا تعلم شيئاً البتة عما يجري، خصوصاً إن كنت من غير المتابعين للتلفاز مثلي، وأكبر علامات هذه المرحلة كلمة: لا.. هل شاهدت فيديو محافظ بورسعيد والمواطن؟ لا.. هل علمت بضريبة السلع الاستفزازية؟ لا! هل تعرف سعر الدولار اليوم؟ لا.. هل هل هل؟ لا.. لا أنكر أن الأمر كان يروقني في البداية، خصوصاً أن مناقشة تلك الأمور لا تجدي نفعاً، وتؤثر علي بشكل سلبي، ثم ما لبث أن أصبح الأمر مستحيلاً بعد الأحداث المتعاقبة من تفجير الكنيسة البطرسية وغيرها، الأمر الذي جعلني أبحث عن مخرج للمشكلة، وقد كان المخرج موقعاً إخبارياً ذا مصداقية أتصفحه بشكل يومي من حاسوبي.

المرحلة الثالثة.. الشك
لا يمكن اعتبار الشك مرحلة بالمعنى الحقيقي؛ لأنها تشبه في الأمور الحياتية: تأنيب الضمير، فهي عبارة عن خاطرة أو فكرة عابرة، تمر برأسك من وقت لآخر، هل أخطأت في اتخاذ هذا القرار؟ هل كان علي استثناء بعض التطبيقات لقد يحدث أمر طارئ؟ قد تتأثر علاقتي بـ"س أو ص"، إلا أن كل هذا لا يمكن أن يكون مبرراً قوياً يثنيك عن قرارك، فنحن في 2016، ومن يريد أن يصل إلى شخص سيعرف كيف يصل إليه، ثم إنني لم أغلق هاتفي؛ لذا لا داعي للقلق.

المرحلة الرابعة.. أوهام وهواجس
أهم معالم تلك المرحلة هي سيطرة الأوهام على رأسك وتفكيرك، أوهام يمكن أن تتحول في داخلك إلى يقين تام، بأن هناك من لاحظ غيابك وتأثر بذلك وأرسل في السؤال عنك، وأن هناك الكثير من الأمور قد تعطلت؛ لأنك غير موجود، يمكن أن نطلق على هذه المرحلة "الأعراض الجانبية لانسحاب السوشيال ميديا"، أوهام تتزايد يوماً بعد يوم، هناك رسائل هامة يجب أن تطّلع عليها، الأمر يتعلق بحياة أشخاص آخرين، هناك رسائل هامة.. الكوكب في خطر.. هناك رسائل هامة.. الاحتباس الحراري سيقضي على الكوكب.. هناك رسائل هامة.. الحرب العالمية الثالثة على الأبواب.. لماذا لا تفتح صندوق بريدك اللعين؟ ماذا دهاك!
واضح أن لمتابعة أفلام "الأكشن" تأثيرها الكبير على هذه المرحلة، وهي بلا شك المرحلة الأصعب خلال هذه التجربة؛ لأن حدتها تزداد بمرور الوقت، وهنا ستبدأ في البحث عن حجة تمكّنك من تلبية نداء أوهامك وهواجسك، وبالتأكيد ستحصل على مرادك، فما أسهل اختلاق المبررات، وصلتني رسالة على بريدي تفيد بأن هناك مقالاً لي قد تم نشره؛ لذا فأنا مضطر لفتح هذه المواقع لنشر المقال عليها، الأمر لن يتعدى "فيسبوك وتويتر" وهذا أكثر من كافٍ حالياً، فتحت بشغف كبير، وهنا كانت المفاجأة.

المرحلة الخامسة.. الحقيقة

رسالتان على "فيسبوك"؛ إحداهما لصديق يطلب أوراقاً خاصة بالماجستير وأخرى أقل شأناً، والكثير من إشعارات أعياد الميلاد وما على شاكلتها، أما "تويتر" فكان كعادته خاوياً على عروشه اللهم إلا من بعض الإشعارات الخاصة بمتابعين جدد، لا رسائل هامة! لن يتضرر عملي! لا رسائل من الـCIA أيضاً! كما يبدو أن البشرية ما زالت متشبثة بالحياة على هذا الكوكب البائس. ربما لم يلاحظ أحد عدم وجودي في هذه الفترة أيضاً، هذا معتاد، خصوصاً بالنسبة لشخص ليس اجتماعياً البتّة، فلماذا بدا الأمر مأساوياً في هذه اللحظة؟! أنا على يقين أن لديكم أشخاصاً يهتمون لأموركم أكثر منّي، وأنكم ستحصلون على رسائل أكثر بكثير، لكن يمكنني أن أؤكد لكم من الآن أنها لن تكون أكثر أهمية.
على العموم هذا جيد، فقد اندثرت شكوكي وأوهامي الآن، وعلى المضي قدماً واستكمال هذا الأمر.

المرحلة السادسة والأخيرة.. الملل
بعد الاصطدام بالحقيقة المرة يصبح الأمر أسهل مما سبق، ستحصل على دَفعة لا بأس بها حتى يصبح الأمر معتاداً بالنسبة لك، إلى أن يصيبك شيء من السأم والملل، فتبدأ في التفكير في الأمر بمنطق مختلف، نعم للسوشيال ميديا عيوبها التي نعلمها جميعاً، فهي تضيع الوقت وتتسبب في تقليص مساحة حريتنا الشخصية، وتضعنا في الكثير من المواقف المحرجة أحياناً، كما أنها ومن زاوية أخرى تخلق شيئاً من الترقب والانتظار الدائم والمراقبة، أو حتى التوهم الدائم في أنك مُراقَب، وهي أمور بالتأكيد تؤثر علينا بشكل سلبي من الناحية النفسية.

لكننا لا نستطيع أن ننكر أنها نَمّت مداركنا بشكل ما، ومنها تعرفنا على أشخاص ربما لم تكن الحياة لتجمعنا بهم يوماً.. أفكارهم لا تشبه أفكارنا، أهدافهم ليست كأهدافنا، وحتى طريقة حياتهم لا تشبه طريقتنا، لكننا تعلمنا تقبّلهم كما هم بلا أدنى مشكلة، السوشيال ميديا منحتنا شيئاً من المرونة، وقدرة أكبر على التعايش مع المخالفين لأفكارنا وأيديولوجيتنا، أزالت شيئاً من جمود أفكارنا التي كونّاها خلال سنوات عمرنا، حتى إنه أصبح من الصعب علينا وضع تصنيف للكثير ممن تعرفنا عليهم من خلالها، على المستوى الشخصي تعرفت على إسلاميين بأفكار أقرب إلى الاشتراكية، وعلمانيين بأفعال متصوفة، ومتصوفين أقرب إلى الاعتدال.

ربما وجب علينا فعلاً ضبط تعاملنا بشكل ما مع السوشيال ميديا كلّ حسب احتياجه وقدرته، قد يمكننا تقييد استخدامها بأوقات محددة، أو الاستغناء عن بعض التطبيقات التي لا جدوى منها، أو حتى التوقف عن استخدام تطبيقات المحادثات بشكل عام، المهم أن نحاول تلافي ما يمكن أن يمثّل عيباً بالنسبة لنا، بما لا يضطرنا مجدداً إلى محاولة التوقف عن استخدامها.

أما أنا.. فأنا ممتن كثيراً للسوشيال ميديا فالكثير من كتاباتي ومقالاتي استلهمتها من هنا ولولاها أيضاً لما كان هناك معنى لهذا المقال.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.