المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالحميد Headshot

انتصارات متناهية الصغر

تم النشر: تم التحديث:

نَمرّ في حياتنا بالكثير من خيبات الأمل، كلٌّ حسب اهتماماته، فأياً كان ما يشغل بالك من جوانب الحياة؛ سياسة.. اقتصاد.. وظيفة.. مشروع صغير.. عائلة.. حبيبة، وأياً كانت حالتك؛ غني.. فقير.. رومانسي أو لا.. كبير السن أو صغير. ستجد دائماً خيبة الأمل التي تناسبك، حتى إنك ستتعجب كيف أنها تشكلت بهذه الكيفية لتناسبك تماماً، وكيف أنها جاءت لتعترض طريقك في هذه اللحظة تحديداً.

يبدو الأمر أحياناً وكأن العالم كله تحالف عليك، تراجيديا الواقع أكثر إيلاماً وغرابة من أن تجسدها الأعمال الأدبية أو الفنية.

ووسط هذا الكم من الخيبات والخذلان تتساءل: كيف سأجتاز هذا الأمر؟ هل يمكنني أن أعيش حياة طبيعية بعد ما حدث؟ فتتمنى لو أن لك سطوة على الزمن فتعود به للوراء قليلاً.. أو تحركه للأمام قليلاً، تنظر إلى المارة في الطرقات وتتمنى لو أنك أحدهم، أي أحد منهم، المهم أن تكون غيرك، ظناً منك أنك أكثر الناس بؤساً. أو تتمنى من فرط الألم لو أنك متّ قبل هذا اليوم.. وربما سيطر اليأس على البعض فحاول إيقاف حياته بنفسه؛ لأنه على يقين أن الأيام لن تمنحه إلا مزيداً من العذاب.

لكن تمر الأيام سريعاً.. يومان.. أسبوع.. شهر.. عامان.. وما زلت على قيد الحياة.. ولا أعني بالحياة هنا تلك الأنفاس التي تخرج وتدخل آلياً دون إرادة منك، وإنما حياة حقيقية.. بمعنى أنك ما زلت تسعى خلف هدف ما، وأن هناك أشياء ما زالت قادرة على إسعادك.. وربما تتذكر الآن بعض تلك اللحظات وتتعجب، فتتلمس ما حولك بأصابعك وكأنك تريد التأكد من حقيقة وجودك الآن وتقول: "صحيح.. كيف مررت من هذا كله؟".

وللحق لم أسعَ لأحصي جميع العوامل التي تساعدنا كبشر على المرور من تلك المِحن العظيمة التي تواجه طريقنا في الحياة ربما لاعتقادي باستحالة ذلك. فاختلافنا يجعل لكل منّا عوامله الخاصة التي تفلح معه، ولكن ما سأحدثك عنه اليوم هو ذلك العامل الذي لم تهتم به يوماً وبالكاد تلاحظه، عاملٌ ليست له شهادة تعلق على الحائط.. ولا هدية تقدم لك.. ولا يمكن مصافحته.. كما أنه لا يعتمد في الغالب علة قدر الجهد المبذول.. وأقصى ما يمكنك أن تقدمه له هو أن تحكي عنه لأصدقائك بشيء من السخرية لتخفف وطأة حديثكم ليلاً عن الغلاء.. والبنزين.. والحكومة.. ألا وهو "الانتصارات متناهية الصغر".

ربما يخطر ببالك الآن أن ما أعنيه هو تلك النجاحات التي ليست بذلك القدر الكبير كنجاحك بإحدى السنوات الدراسية بكليتك، أو حصولك على ترقية بعملك وما إلى ذلك من انتصارات ثانوية في حياتنا، لكن ما أعنيه أقل من ذلك أيضاً، فحين أخبرتك بأنها انتصارات متناهية الصغر كنت أعني ما أقول تماماً.

أتعرف ذلك الشعور الناشئ عن عبورك بسيارتك من إشارة مرور في الثانية الأخيرة.. تلك النشوة التي تجتاحك حين تقطع أمتاراً قليلة بسيارتك لطريق مخالف دون أن يلاحظك الشرطي؛ لكي توفر على نفسك مشقة المرور من ذلك الدوران البعيد.. حيلتك البسيطة التي استخدمتها لتتقدم أمام بعض الأشخاص في طابور طويل.. مديح طفل مرّرت إليه كُرته في الشارع بشكل جيد.. تحقيق "التارجت" اليومي للشركة، ملء خزان سيارتك بالوقود قبل ارتفاع سعره بلحظات.. شراؤك سجائرك بسعر أقل من صديقك بجنيه واحد.. مرورك من كمين الشرطة برخصتك التي انتهت صلاحيتها.. حصولك على القطعة الأخيرة من أي شئ.. وحتى تلك النظرة التي تلقيتها من فتاة لن تراها مرة أخرى حين أجلست والدتها مكانك في المترو.. وآلاف الأشياء الأخرى.

هذه الانتصارات يا صديقي وما على شاكلتها والتي نظنها جميعاً تافهة لا قيمة لها، ولا نتذكرها أحياناً، وربما لا يروق لبعضنا حتى أن يحكي عنها لأحد، والتي نمر بها بشكل شبه يومي، أظن أن لها مفعولاً سحرياً في حياتنا ولا يمكن لسواها القيام به؛ لأنه بالرغم من كونها ضئيلة جداً فإن تكرارها وكثرتها لا يمكن أن تمنحه الحياة لمعظمنا في أمور أعظم شأناً من تلك.

إنني أشبهها بقطرات مياه تسقط على هذه الحياة فتخفف من أثر مرارتها ولو قليلاً، ومع كثرة تلك القطرات وتتابعها.. ومع مرور الوقت.. سيأتي حتماً ذلك اليوم الذي تصبح فيه الحياة مقبولة الطعم ومستساغة.

وهنا وجب القول إن هذه الانتصارات ينحصر دورها على التخفيف من قدر تلك التنغيصات الحياتية اليومية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقيم إنسان حياته عليها، فما زالت حياتنا بحاجة إلى تلك النجاحات الكبيرة، تلك الأهداف العظيمة التي أخبرك الجميع أنك لن تحققها لكنك بالرغم من ذلك اجتهدت وسعيت إليها.. ربما وفقت في تحقيقها كما أردت، أو بشكل جزئي وربما لم تنجح، لكنك لم تألُ جهداً لذلك.

مثل هذه التحديات هي ما تخلق شخصيتك، مثل هذه الانتصارات هي ما تقيم الحياة وتكون المستقبل، وربما تجعل بعضهم لا يحتاج إلى مثل تلك الانتصارات الصغيرة.

أما وأني، ومعظم القراء لسنا من هؤلاء القلة الذين منحتهم الحياة منّها وسلواها.. فغمرهم النجاح أينما حلّوا وساروا.. فأقول لك ولنفسي: يا عزيزي، افرح بكل ما تمنحه لك الحياة من نجاحات مهما كانت تافهة، ومهما قلل الناس من شأنها، لا تستسلم لأولئك الراكنين إلى بؤسهم، العابثين اللاعنين ليل نهار، يحقرون ما يأتي إليهم بنظرهم إلى ما يأتي لغيرهم فلا ينالهم من ذلك إلا غماً على غم.. اجتهد كثيراً وافرح بذلك القليل الذي يُساق إليك، في انتظار كثير طال غيابه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.