المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالحميد Headshot

كذَب المُتحَذلقون ولو صَدقوا

تم النشر: تم التحديث:

فاصلٌ إعلاني لبرنامجٍ، لا فائدة منه إلا تكرار ما يقوله العوام في الشارع وعلى صفحاتهم الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي، لكن بشكل أكثر رقيّاً، حيث المتحدثون يرتدون بذلات رسمية، كما أنهم يستخدمون كلمات غير مفهومة، لكن لها وقعٌ جيد على الآذان ويحبها البسطاء، الكلمات نفسها أياً كان الموضوع.

تُعلن القناة في الفاصل عن لقاء سيجمع الشيخ الدكتور علّامة عصرِه وأوانِه والباحث المجدد (الدكتور أيضاً)، ومن خلال معرفة الناس بتوجّهات الرجلين يوقنون بأن المعركة ستكون شديدة الوطيس، مواجهة نارية لا يجب تفويتها، ويلزمها تحضير مسبق، ليس بالبحث والقراءة عن موضوع الحلقة قطعاً! وإنما بالكثير من المَزّة والمقرمشات.

سيتناول العالمان، كعادتهما، قضايا مثيرة للجدل (ولا تهم الناس بالمرّة)، وذلك في ظل حالة الارتباك الديني التي يعانيها المجتمع (لا أعرف لفظة غير الارتباك الديني تعبر عن الأمر، فأرجو المعذرة).

يبدأ اللقاء بابتسامات غزيرة وإطراءات متبادلة، يحدد مقدم البرنامج القواعد المنظِّمة للحلقة ليعطي انطباعاً لدى المشاهد بأهمية ما يتم تقديمه ولكي تتم الاستفادة في النهاية؛ أو هكذا يقال، سيكون اللقاء حول "كُتب التراث"، ويجب أن تقولها هكذا لتبدو مُثقفاً.. موضوع هام حتى إنه مَحَطّ جدل منذ ما يزيد على 1000 عام! لكن، لا بأس من طرحه مجدداً ما دامت المعركة لم تُحسم بعد، وما دام لدى الناس 3 ساعات غير مأهولة ما بين تناول العشاء والنوم.

سيبدأ الباحث بعرض اكتشافاته المثيرة، وهي أن أحد أهم كُتب التراث الإسلامي يوجد به أحاديث ضعيفة، ثم سيذكر بعضها بأسمائها هكذا: الجساسة.. الذبابة.. رجم القرد.. أيُّ المساجد وُضع أولاً.. حديث خلق آدم... وغيرها كثير (هو سيقول: "وغيرها كثير"، ليس أنا). لكنه لن يخبر المشاهد الآن بأن عالماً جليلاً قال هذا الكلام منذ أكثر من 1000 عام، وإلا فما دوره هو؟

الشيخ سيحاول تفنيد كل ادعاء من ادعاءات الباحث التي كتبها في أثناء حديثِه، سيردّ على بعضها. لكنه أيضاً لن يقول الآن إن عالماً جليلاً ردَّ على تلك الشبهات التي أثارها عالم جليلٌ آخر قبله منذ ما يزيد على 1000 عام.

مقدم البرنامج سيخبر الشيخ بأن وقته قد انتهى، لكنه سيحتجّ بشدة؛ لأن هناك 3 نقاط لم يردَّ عليها، لكنه لن يخبر الجمهور بأنه بدأ بالرد على الادعاءات التي لديه بصددها براهين قوية، أعني الحجج التي نقلها عن الشيخ نفسه طبعاً.

يُهَدئ مقدم البرنامج من روعه ويخبره بأن بإمكانه التحدث عنها حين يأتي دوره مجدداً، سيهدأ.. لكنه لن يتحدث عنها حينها، ولأننا نُحسن الظن به فسنعتقد أن السبب ليس أنه لا يملك حججاً قوية بصدد تلك النقاط، ولكن لأن الباحث سيلقي بشُبهٍ لا حصر لها وهو يعلم أن الكثير منها ضعيفٌ مردود عليه، لكنه لن يقول للمشاهد ذلك. ولأننا نحسن الظن به أيضاً فسنعتقد أنه قالها من باب الحرص على عدم كتمان العلم، ليس لتختلط الموضوعات وتَكثر فلا يملك الشيخ الوقت ليجيب عنها جميعها.

يستمر اللقاء بعد فاصلٍ ليس بقصير كما أخبر المذيع، ليس لشيء إلا لأن شركات استغلت فرصة وجود العالِميْن الجليلين للإعلان خلال حلقتهما؛ لتحل البركة على سلعها.

وما بين ادعاءات وإجابات واتهامات متبادلة، سيبدأ الطرفان في استدعاء من نقلوا عنهم كلامهم بالحرف دون إضافة حرفٍ واحدٍ عليه (وأعني هنا دون زيادة علمية مفيدة)، ربما في تلك اللحظة يكتشف المشاهد أنه لا جديد يقال هنا ويغلق التلفاز أو يبحث عن قناة أخرى، وربما لا.

ستسمع ألفاظاً كـ(الآثار.. السند.. المتن.. مدلس.. مقطوع.. أحاديث الآحاد.. معلقات.. الشيخ يفهم ما أعني) وأسماء كـ(الدارقطني والنووي وابن حجر والزهري) وعبارات أخرى بهدف إضفاء شيء من المصداقية والغموض.

وحين تصل إلى النقطة التي يتداخل فيها كل شيء داخل رأسك وتصبح أفكارك مشوهة بالكامل، ستكون هذه علامة انتهاء الحلقة؛ نظراً لأن وقت البرنامج لا يسمح، سيُجزل مقدم البرنامج الشكر للشيخ العلّامة والباحث المجدد، ويختم الحلقة على أمل أن تكونوا قد ازددتم تيهاً على تيهكم.

المشاهد لم يكن يعرف أياً من الأحاديث التي تناولتها الحلقة من قبل، رغم اهتمامه بتعلّم الدين وحضوره الكثير من المواعظ ومئات الخطب.

المشاهد لم يفكر أبداً في إمكانية أن يُرجَم قرد في الجاهلية لأنه زنى أو لا. لم يؤرق جانبه أبداً إن كان هناك من رأى دابةَ آخر الزمان والمسيح الدجال على جزيرة ما أم لا. لم يمنعه تفكيره في الهيئة التي خُلق عليها أبوه آدم النوم يوماً، ولأنه يعلم أن قوانين دولته الوضعية لم تنص على رجم الزاني المتزوج لم يسأل عن مدى صحة الحكم من قبل.

المشاهد يعلم أن البخاري ليس معصوماً؛ لأنه ليس نبياً.. ويعلم أيضاً أن صحيحه ليس قرآناً منزهاً من السهو والخطأ.. كما يعلم جيداً أنه ليس كاذباً ولا شيطاناً، هو عالم مجتهد مشكور جهده.. وجهده هذا -كأي عمل بشري- يحتمل الصواب أو الخطأ.

هنا، يجب أن أتساءل: ما جدوى هذه النوعية من المناظرات؟
سيصيح بي أحد الفريقين بلسان حال يقول: "الناس تفرُّ من الدين، كيف سيؤمن شخص غربي عقلاني بدينك حين يرى مثل هذه المغالطات؟ لا بد من تنقيح السُّنة من هذه الأحاديث".

وسيصرخ في وجهي الفريق الآخر: "لا بد أن نردَّ على هؤلاء لنحفظ الدين منهم، إنهم يريدون أن يحذفوا كل ما يخالف أهواءهم ورغباتهم، إن هدفهم هدم الدين وليس الأمر كما يدّعون".

لكن، ما يستقر في ضميري أن كل هذه حجج واهية، يحتج بها هؤلاء ليبيعوا سلعتهم للناس، سلعتهم التي يسّرها خالقها لعباده فأبى هؤلاء إلا تعقيدها ليحتكروها. أنا لم أسمع يوماً أن شخصاً رفض دخول الإسلام؛ لأن حديثاً في البخاري يقول فيه صحابي إنه رأى قروداً ترجم قرداً زنى. كما أجزم بأن حذف (أربعة.. ثمانية.. اثني عشر.. أو حتى تسع وتسعين) حديثاً من صحيح البخاري لن يهدم الدين.

لكني على يقينٍ بأن هناك أناساً لم يدخلوا الدين؛ لأن أهله يتناحرون.. يتقاتلون؛ لأن فرقهم يكفر بعضها بعضاً؛ ولأنهم لم يصلوا بعدُ إلى وسيلة للتعايش السلمي معاً، فكيف سيكون الحال مع الآخرين؟!

إن كثيراً من الشباب الذين بعدوا عن الدين، لم يكن الدين نفسه هو سبب بُعدهم، وإنما هؤلاء المتحذلقون من رجال الدين؛ وأعني هنا من الفرق والطرق والتوجهات كافة، الذين إما أنهم يتفننون في إظهاره لوغارتميّاً، كأنه طلسم لا يجب الاقتراب منه إلا بواسطتهم! وإما يُحكّمون فيه أهواءهم فتضيع هويته وتُمحى معالمه، فتذهب خصوصيته أدراج الرياح. أتدرون.. أنا أكره المتحذلقين عموماً، لكنني أشد كراهيةً للمتحذلقين من رجال الدين.

ربما يحتاج المتخصص لدراسة تلك الأحاديث وفهمها والبحث في صحتها وتأويلها وما إلى ذلك، لكن أخبروني عن جدوى معرفة مدى صحة تلك الأحاديث لأشخاص ما زالوا يتساءلون كل عام عن حكم استخدام معجون الأسنان في نهار رمضان، وهل يجوز إخراج زكاة الفطر مالاً أم لا.

يا أسيادنا العلماء، هل نحن في حاجة للتفرق أكثر من هذا؟! ألم يكفِكم تشرذُمنا فِرقاً وطرقاً وأحزاباً؟! يا أسيادنا، تقولون لنا في مواعظكم: "لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ".. فلا نسأل.. فإذا بكم تُجيبوننا.. يا أسيادنا، أليس من الأَولى أن تُقيموا اعوجاج القلوب أولاً، أن تُعلّموا الناس ما في دينهم من قِيم التعايش وحقوق الغير والتسامح والسلام؟ أليس هذا أدعى وأَولى الآن؟

أحدهم خلف الكواليس: "الله يفتح عليكم يا أسيادنا ولو إنكم كنتم مُتحفّظين حبتين"!
أسيادنا يضحكون ملء أفواههم ويقولون في صوت واحد: "مش عايزين نلبّس على الناس دينهم بردو كفاية عليهم كدا"!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.