المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد خالد أحمد Headshot

نظرات

تم النشر: تم التحديث:

عدة نظرات أرسلتها تلك العيون السوداء التي تحمل في جعبتها الكثير من التساؤلات مختلطة ببعض المشاعر الصادقة، لقد عانى صاحب تلك العيون الكثير من الصعاب وعوائق الحياة مبكراً في سن صغيرة؛ متاعب قد لا يتحملها بالغون في أضعاف عمره، ولكن هذا هو قدره، ويجب عليه الوقوف أمام الدنيا ومشاقها كحائط منيع لا ينكسر أبداً.

لقد اعتاد هذه الحياة الأليمة، وأصبحت الراحة والرفاهية كلمات لا توجد في قاموسه أو حتى يعرف معناها، ولكن يوماً ما يا صديقي ستنال الراحة التي تستحقها بعد هذا الصبر الطويل.

بعث بنظرة على أول ما يحتاجه الإنسان، ويستمد منه طاقته للبقاء على قيد الحياة، ذلك المطعم الفاخر الذي يتزين بكل ما تشتهيه النفس من طعامٍ وشرابٍ، ولكنه يعلم جيداً أن ماله سوف يمنعه قبل قدميه من الاقتراب من ذلك المطعم، ويعلم أنه ربما يحتاج إلى أشهر لجمع المال لتطأ قدماه ذلك المطعم، صار يتخيل ما يلتقطه من بقايا الطعام، أو الطعام الذي يجلبه له بعض الأشخاص الذين لم تترك الرحمة قلوبهم بعد كالوليمة التي قد تكفيه لأيام، وأطاح بحاسة التذوق جانباً حتى يستطيع البقاء على قيد الحياة.

ثم تتجه عيناه إلى تلك الأسرة التي تغمرها السعادة وذلك الطفل الذي يمسك بيدي أبيه وأمه وتلك القُبلة التي تضعها على جبينه الأم في حنان وحب، لقد فتح عينيه على هذه الدنيا دون وجود أب ولا أم، الشارع هو كل عائلته، لم يجد الأمان الذي يظهر في عين ذلك الطفل؛ لا يعرف معنى الأسرة ولم يجد من يحنو عليه يوماً، عندما يفقد الإنسان أحد والديه يشعر بأن جزءاً من حياته قد تحطم، ولن يعود كما كان أبداً، فما بالك بشخص منذ مولده لم يجد أباه وأمه؟

ينظر بعينيه إلى تلك المباني الشاهقة، وإلى تلك النوافذ الكثيرة، يتمنى أن ينظر من إحدى تلك النوافذ، ويكون له ملجأ في تلك المباني، يتخيل نفسه جالساً على إحدى تلك الأرائك المريحة التي يراها في محلات الأثاث الفاخرة، ويشاهد التلفاز في سكينة وراحة، وبعد أن يمل يدخل إلى غرفته؛ لينعم بنوم عميق على ذلك السرير الدافئ؛ يخرج عقله من ذلك العالم الخيالي الذي صنعه؛ لينظر إلى ذلك الكوبري الذي يتخذه ساتراً له من الأمطار والبرد، وينام تحته، فهذا الكوبري هو قصره الخاص.

يسمع ذلك النداء الذي يشعر بعظمة في كلماته، ولكن لا يصل إليه المعنى الحقيقي لمحتواه، فيوجه نظراته إلى ذلك المسجد على أحد جوانب الطريق؛ ليجد المصلين يتوافدون عليه، ويجد ذلك الجد يمسك بيد طفل صغير أغلب الظن أنه حفيده، لم يجد من يصحبه إلى المسجد أو ينصحه بدخوله، لا يعلم عن المسجد سوى ذلك النداء الذي اعتاد سماعه يومياً، فصار لا يعير له انتباهاً، فقد لذة الإسلام والإيمان، وأصبح هناك غشاء على قلبه يحجّه عن الطريق الصحيح، ويُعمي عينيه عن الصواب.

ضجيج يأتي من بعيد، فيلتفت ناحية الصوت، إنه موعد خروج الطلاب من المدارس؛ المدرسة ذلك المبنى الذي يسمع أن منه يخرج الدكتور والمهندس والعديد من الوظائف التي قد لا يعرف لها مسمى، لم تلمس يده كتاباً من قبل، وعقله منغلق على حياته، وتجاربه في الشارع.. يتساءل كيف السبيل ليصبح مثل هؤلاء الطلاب وماذا تعني كلمة دراسة وتعلم؟ ولكنه يكتفي فقط بمراقبة الطلاب من خلف السور، وهم يلعبون في وقت الراحة، أملاً أن يكون له صديق مثلهم، فالشارع لا يوجد به رفيق، بل الصراع فقط من أجل الحياة.

ذلك الصبي هو طفل من أطفال الشوارع الذين أحب أن أطلق عليهم أطفال الصعاب، أولئك الذين تناساهم المجتمع في زمن يزداد فيه الفقير فقراً، والغني مالاً؛ لينهش الفقر أجسادهم، تلك الأسباب التي ذكرتها ما هي إلا أسباب قليلة؛ ليتحول أولئك الأطفال إلى ما نحن نراه الآن، فهم لم يعرفوا معنى للحياة، ولم يجدوا مَن يعلمهم وينقذهم من هذا الضياع، هذه الحياة هي التي ألفوها ووجدوها، ولم يعرفوا الجانب الآخر منها؛ لذلك وجب علينا أن نساعدهم، ولكن ليس فقط ببضعة جنيهات، ولكن على المسؤولين توجيه النظر إليهم، وتوفير أساسيات حياة لهم تصلح لإنسان له حقوق.

ألن يُحاسب المسؤولون عن هؤلاء الأطفال؟ يقول الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها: لِمَ لَم تمهد لها الطريق يا عمر؟"، سيدنا عمر يتكلم عن الحيوان، فكيف سيكون السؤال عن الإنسان، وعن أطفالنا المشردين، وعن الأطفال الذين يستشهدون بسبب الحروب، وبسبب صراعات هم فقط الجانب الخاسر فيها؛ فليكن الله في عون أطفالنا المستضعفين الذين لا حيلة لهم في كل مكان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.