المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد خالد أحمد Headshot

علي الحافة

تم النشر: تم التحديث:

تلك الشعيرات البيضاء التي اتخذت مستقراً في رأسه مع بعض الخطوط المتعرجة في الوجه وفك يفتقر إلى بعض من أسنانه، كل هذه كانت علامات وتنبيهاً لتقدمه في العمر.

أخذ ينظر بتلك العينين الضيقتين إلى ذلك الفراغ الشاسع أمامه من على حافة جبل ذي ارتفاع شاهق يلقي الخوف في قلب كل من أراد تسلقه، جسده يرتجف عندما ينظر تحت قدميه فيرى الشقوق التي اتخذت مواضع في الحافة تمهيداً لسقوطها.

يا لها من ليلة مظلمة بائسة.. تسمرت قدماه في مكانهما وأبت الحركة كأنها أقسمت على موته وسقوطه وما هي إلا لحظات قليلة حتى يلقى مصير الموت، في تلك اللحظات القليلة المتبقية بدأ يمر أمامه شريط من الذكريات الأليمة وبعض من الأفعال التي هو نادم الآن على فعلها والأخرى التي هو حزين على عدم فعلها.

في مطلع الذكريات كان يرن في أذنه ذلك النداء العظيم وما أعظمه نداء.. نداء النجاة والفلاح، نداء المغفرة والرحمة، إنه نداء الصلاة الذي كان يسمعه فيتحول أصم في تلك اللحظات تاركاً العلاقة التي تربطه بينه وبين ربه مديراً قلبه قبل جسده عن طريق الخلاص، مفرغاً قلبه ونفسه من لذة الإيمان والقرب إلى الله.

يتذكر ذلك الكتاب الذي أحاط به التراب من كل جانب، ولكن بداخله حروف وكلمات لا تقدر بثمن ولا تدرك بقيمة أنه القرآن الكريم، كلام الله عز وجل الذي لم يدرك أن به دلائل الطريق المستقيم والسعادة التي يبحث عنها في ملذات الدنيا الزائفة، ومنهج الحياة الكريمة، وكما قال الله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً).

الحافة الآن تفقد تماسكها شيئاً فشيئاً مع كل ذكرى يتذكرها ومع كل لحظة ندم يشعر بها أنه الموت البطيء الذليل الذي يتمنى الإنسان فيه أن يمر الوقت كرمش العين حتى يتخلص من آلامه سريعاً.

يحطم أذنه ذلك الصوت العالي والكلمات الغليظة التي كان يرسلها من فمه كالسيف الذي يشق طريقه في قلب أمه وأبيه عندما يقدمان له النصيحة خوفاً عليه من ظلمات طريق الفساد والانحراف يتمنى أن يرجع به الزمن حتى ينصت ويطيع؛ يتساءل أين كان عقله في هذه اللحظات؟

يرغب الآن لو يراهما ولو لثانية واحدة ليقبل يديهما ويعتذر عن جهله وجحوده لكن قد فات الأوان.

ينظر إلى الحافة التي تصبح مع الوقت كالورق الهش الذي تطيح به الرياح بعيداً ويعلم أنها ما هي إلا لحظات حتى يلقى حتفه؛ لم يتخيل يوماً أن هذه سوف تكون نهايته وحيداً نادماً لا أحد يشعر بموته ولا تسقط دمعة على فراقه.

يتمثل أمامه وجه يبدو على ملامحه نظرات استعطاف ممزوجة بقلق، إنه صديقه الذي بذل أقصى جهده لإبعاده عن طريق تمزيق نفسه تلك الصحبة الصالحة التي أدار ظهره لها ظناً منه أن هذه الصفات الصالحة ما هي إلا دليل على ضعف، وانكسار، ولكن في الحقيقة تلك الأخلاق الحميدة ما هي إلا نقاء نفس وقوة، لم يكن يدري أن صحبة الخير من النادر أن تجدها في هذا الزمان فأصبحت كأحجار كريمة من الصعب العثور عليها واقتنائها.

لقد حطم بيده الأعمدة الأساسية لنفس صالحة وسوية وفقد سجيته التي وُلد عليها باحثاً عن طريق سعادة زائف في محرمات لا تجلب إلا الهلاك للنفس، والبدن يتذكر الآن كل لحظات بداية فساده وانحرافه، يجول بباله سؤال ماذا لو تغيرت البدايات؟ ماذا لو هناك فرصة أخرى ليصلح ما فعله؟ ولكن لا وقت للحسرة الآن.

تمزقت الحافة واهتزت قدماه لكي لا تجد سوى الفراغ، إنها نهاية المطاف.. بأي وجه سيقابل الله؟ بأي روح سيقابل الله؟ بهذه الروح المليئة بالذنوب والمعاصي، سقط والدموع تتساقط من عينيه، الثواني تمر ويرى الأرض تقترب منه أكثر، والرعشة تسري في جسده مع دقات قلب غير منتظمة.

استيقظ صارخاً مفزوعاً من هول ذلك الكابوس الذي لم يرَ له مثيلاً، استغرق بعضاً من الدقائق حتى يتيقن أنه ما زال حياً.. قفز إلى المرآة ينظر إلى وجهه وشعره إنه لا يزال شاباً، أخذ يردد "ما زال هناك فرصة.. لم ينتهِ المطاف بعد"، يا له من كابوس مفزع بدت على وجهه تساؤلات ما هذه الغفلة التي تتملكه؟ ماذا لو حانت ساعته الآن؟ بكى على حاله وعلى الذنوب التي اقترفها مع إحساس بالطمأنينة أن هناك فرصة للندم والرجوع.

تضيق الصدور وتبكي العين على دنيا زائفة، يبدأ الشيطان بالعمل ويسوّل لك أبسط الأمور لتجلب أعظمها، وكل هذا لتنال سعادة مؤقتة؛ لتظن أنه الفرج ومفتاح الراحة، وقت الندم الآن هو أفضل وقت، اندم الآن واتخذ طريق النجاة؛ لأنه سوف يحين وقت بعد ذلك ستجبر على الندم.. ابدأ الآن.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.