المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد خير الخطيب Headshot

سابع جار

تم النشر: تم التحديث:

ابتدأت الأعمال الفنية السينمائية في مصر على أيدي الطليان (هنري ديللو سترلوجو)، الذي افتتح أول دار للسينما في مصر عام 1897، ثم على أيدي فنانِين احتشدت بأسمائهم تترات الأفلام: توغو مزراحي، أستيفان روستي، كاميليا، نجوى سالم، إلياس مؤدب، راقية إبراهيم، وجورج أبيض، وبشارة واكيم... ثم دخول كمٍّ كبير من الفنانين من أصول غير مصرية: عمر الشريف، نجيب الريحاني، ماري منيب، نادية لطفي، ميرفت أمين، نيللي، لبلبة، حسين فهمي.

وزادهم نغماً معظم أبناء المصريين المفتونين بالثقافة والعادات الغربية.. إلى أن جاء زمن الانفتاح، ودخل الميدان رجال الأعمال، وثقافة الربح السريع، الذي يعتمد في جذب الناس على المشاهد الغرائزية، مع توافر فنانات مؤهلات ومتهيئات: إلهام شاهين، يسرا، غادة عبد الرازق، سمية الخشاب...

يُضاف إلى ما سبق: ندرة الكُتاب؛ مما أدى إلى الاعتماد على النصوص المترجمة أو المقتبسة، أو تحوير روايات نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، لتناسب السينما.. وقبل ما سبق وجود الانتداب البريطاني، وملوك أسرة محمد علي، الذين أضفوا على الحياة المصرية بُعداً تغريبياً عميقاً.

إذن، كانت الأعمال الفنية في مصر، ولوقت طويل، غير منتمية إلى البيئة المصرية، وتخالف بشكل فجٍّ وحادٍّ عادات غالبية المصريين وعقيدتهم، إلى أن وقعت المؤسسة الفنية تحت اهتمام ومراقبة السلطات السياسية، وخضوعها للأوامر الرسمية، التي لا ترى في الفن سوى أداة هامة للدعاية والترويج، وسلعة اقتصادية قابلة للتصدير ترفد الخزينة بالعملة الصعبة.

ثم تطور الاستخدام لمواجهة معارضي السلطة، خصوصاً المتدينين، فنشأت شراكة بين العسكر وأهل الفن، تناسب كلا الفريقين، كلاً لشأنه، فأصبح لا يكاد يخلو عمل فني من وجود مشاهد تمجد بطولات العسكر وأجهزة الشرطة والأمن، حتى ليخال المرء أن كثيراً من المسلسلات والأفلام منتجة لصالح العسكر والنظام الحاكم؛ لبثِّ رسائل التلميع والتبرير.

إلى أن دخل الحياة الفنية جيل جديد، ترافق ظهوره مع "سياسة الانفتاح"، ونمو فئة صغيرة من الطبقة الوسطى وفوق الوسطى، تعتمد في حياتها على الأفكار والعادات الغربية، كارهةً للعرب والمسلمين، تؤيد إسرائيل، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام الحاكم، لها تدخلات وتشعُّبات في المؤسسات الحكومية المؤثرة، باعتبارها تقف في خندق السلطة ذاته المواجه للإسلاميين.

مسلسل "سابع جار" يمثل آخر طبعة لأولئك القوم، وأجرأها؛ إذ يلاحظ المتابع مبكراً الصبغة النسائية للعمل، ولا أقصد هنا أنه يحكي قصة مجموعة من النساء فحسب، إنما السيطرة الاجتماعية والاقتصادية للعنصر النسائي، المنفصل عن السلطة الذكورية، للنسوة: "المحافظات على منازلهن"، "الحريصات على تربية أولادهن وتعليمهم"؛ بل حتى "المحافظة على أزواجهن" وإن كانوا متسيِّبين، غير أكْفاء للحياة الزوجية، "زبالة" (مجدي)، كما تقول (لمياء) لأختها عن زوجها، الذي لا يعرف في أي كلية تخرجت ابنته.

بينما يظهر الرجال نصابين، كسولين، تافهين، غير مبالين ببيوتهم وأولادهم، مهمِلين... أي إن النساء هن محور الحياة، مهما تكن صفتهن الاجتماعية كـ(كريمة) "المشبوهة" التي تأتي لتعتني باللواء الذي يتركه ولده (وليد) وحيداً مباشرة بعد وفاة زوجته، أي إنهن يملكن كل الإيجابيات، وللرجال كل السلبيات.

أولئك النسوة، "القوّامات" على الرجال، يذهبن إلى أقصى ما يمكن توقُّعه في الحياة الاجتماعية المصرية:

فـ(مي) التي تعيش في غير منزل أبويها، مع مجموعة من الشباب، تمارس الجنس من دون زواج، وتحبل، ثم تجهض، بأسلوب سلس، وعندما يأتي إليها والد الجنين طالباً الزواج ترفض لاعتبارها الطلب حالة تستُّر، وأن ما كانت تفعله لم يكن خطأ؛ بل وتدافع عن فعلتها باعتبارها حقاً شخصياً، وعادياً، وممارسة لا تستوجب المساءلة الدينية والقانونية والاجتماعية... ثم التعامل العادي من قِبل أبويها مع كونها تعيش منفصلة عنهما! أما والدتها، فتقول لقريبة لها عندما تحدثها عن رغبتها في الطلاق: "شيء عادي، وهو أفضل من أجل تربية بناتك بالطريقة الصحيحة".

و(هالة): الفتاة التي تحاول الزواج بزميلها، لأجل الإنجاب فقط، أو بمتبرع، باعتبار الرجل ليس أكثر من أداة توفر بذرة الحياة، تحقق من خلاله حلمها في الأمومة، وتزدري والدها وتصر على إهانته.

و(هبة): المراهقة التي تتنقل بين عدة شبان باحثةً عمن يوافق أسلوبها في الحياة، تطلب الحشيش وتحصل عليه... في إيقاع متناغم مع بقية النسوة اللاتي يرتئين أن الحياة والواقع ملكهن وحدهن، والرجال مجرد مكملين.

تشذ عن الإيقاع (دعاء) الفتاة المتدينة، التي يصورها المسلسل بـ"غير المتوازنة"، و"غير المخلصة في عملها"، بإيحاء واضح بأن ما تعانيه هو التدين، ويربط المسلسل بين صلاة دعاء وتقصيرها في عملها، بطريقة لم يسبق أصحاب المسلسل إليها سوى "نجيب محفوظ". يخطبها متدين، يُظهره المسلسل أيضاً "مخادعاً" "خائناً" يميل إلى أختها.. تنصرف عن الصلاة، وتخلع العباءة لأجل رسالة إلكترونية (الحلقة الـ39)، كأنها تدينت من أجل العثور على عريس، خصوصاً أنها تُكثر من الدعاء لله... ولا أعرف إن كانت تسميتها (دعاء) مقصوداً أم اعتباطاً؟

إن الجرأة في طرح ما ورد بالمسلسل، يدل على أن هناك انفلاتاً مدعوماً من قِبل النظام السياسي، يهدف إلى نقض أسس البناء الذي يؤوي غالبية المصريين برعاية منظومة دينية، تؤخذ بجريرة الحملة على الإخوان المسلمين، والفئات المعارضة الأخرى، يقودها العسكر، ويساعدهم شخصيات قبطية، اقتصادية وثقافية، وضعت كل ثقلها بعد انقلاب العسكر في إنتاج الأعمال الفنية، وامتلاك القنوات التلفزيونية... إضافة إلى وجوه فنية مثيرة للجدل (إيناس الدغيدي)، بينها وبين الثقافة التي تريد ويريد العسكر شيوعها انسجام تام.

وإن ما يلفت النظر حقاً، ظهور شخصيات هامشية، تعمل بالفن، لها أفكار بعيدة عن حياة المصريين، تنظر بازدراء إلى عقيدتهم وثقافتهم وعاداتهم، لم يكن لها أعمال بالمستوى الذي يؤهلها لطرح آرائها بهذه الجرأة، سوى أنها استفادت من دعم النظام السياسي، عبر تقديمها في وسائل الإعلام، وتوكيلها -فيما يبدو- بمهمة الترويج للأفكار المستوردة (المساكنة، الأم العازبة، حرية العلاقات الجنسية قبل الزواج، الاختلاط حتى في السكن الدائم، مهاجمة الإسلام عبر ادعاءات ومعلومات ملفقة، أو مستوردة من كتب قديمة لا تمثل الدين، مثل: إرضاع الكبير، معاشرة الزوجة المتوفاة...).

لقد اجتهدت المخرجات الثلاث بأن يتخطين جميع المسافات التي سارها من جاء قبلهن، ولم ينسين تكرار لصق تلك النظرة القبيحة عن الدين والمتدينين في الأعمال الفنية المصرية، وغُصن عميقاً في المحرمات من كل نوع، في مشاهد وجُمل عديدة... ولكي يضفين المصداقية على عملهم، صُغن المسلسل على نمط تلفزيون الواقع، ليوحين بأن الأحداث طبيعية وواقعية، مأخوذة من المجتمع المصري.

يبدو أن التعامل الحاد مع المجتمعات العربية الإسلامية قد أصبح سمة للأنظمة الحاكمة، حتى مع أشدها محافظة (السعودية)، فقد استفاد نظام الانقلاب المصري، وما سواه من الأنظمة العربية الحاكمة، من جرأة النظام السوري في التعامل مع السوريين، بتدمير ثقافتهم، ومجتمعهم، ثم حواضرهم... وما المسلسل سوى جزء من حالة في الطريق ذاته، يُراد تعميمها على المجتمعات العربية الإسلامية، (مسلسل ما ملكت أيمانكم، للسوري نجدت أنزور)، (فيلم الزين اللي فيك، للمغربي نبيل عيوش)، (فيلم الفلانتين الأخير في بيروت، للبناني سليم الترك)، ثم تعيين وزيرة للتربية في الجزائر، فرنسية، معادية للعرب والمسلمين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.