المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد جمال عرفة  Headshot

الصحافة الورقية المصرية.. "تعيش انت"!

تم النشر: تم التحديث:

اعتدنا أن نقول في المناسبات الحزينة لمن أصابه مكروه في عزيز لديه توفَّاه الله: "تعيش انت"، ويبدو أننا سنقول هذه العبارة في عزاء الصحافة الورقية المصرية قريباً، بعدما عانت من تراجع حاد في التوزيع لصالح "صحافة المواطن الإلكترونية"، وجاء تعويم الجنيه وارتفاع أسعار الورق (أكثر من 6 آلاف دولار للطن)؛ ليسدد ضربة قاضية لها.

الأزمة الخطيرة التي يتوقع أن تستنزف ما تبقى من طاقة الصحف الورقية بدأت بقرار أرسلته، الأسبوع الماضي، المطابع للصحف المصرية تبلغها برفع أسعار الطبع بنسبة 80%؛ ليكون مسماراً جديداً في نعش "الورقية" التي تعاني من قلة الإقبال عليها، وتراجع توزيعها، بفعل الأزمات الاقتصادية ولجوء شرائح أكبر من القراء للصحافة والمواقع الإلكترونية.

الأزمة دفعت رؤساء تحرير الصحف، والمجلس الأعلى للصحافة لعقد لقاءات مستمرة (قبل 15 ديسمبر/كانون الأول الجاري موعد الزيادة الجديدة للطبع)، للاتفاق على سعر جديد لبيع الصحف، بدلاً من السعر الحالي (جنيهين)، وسط تسريبات تشير للاتفاق على رفع سعر "اليومية" إلى 4 جنيهات، ما سيجعل الإقبال عليها محدوداً للغاية.

خطاب "مدير مطابع الأهرام" الذي أرسله للصحف طلباً لزيادة أسعار الطبع كان مليئاً بعبارات الشجن التي تشبه "العزاء" في الفقيدة (الصحافة الورقية)، فالرجل كتب لأصحاب الصحف يتحدث عن "ظروف قهرية"، وأن هذه الزيادة "حتى نستطيع الاستمرار".

ورغم أن دراسة حديثة لجهاز الإحصاء المصري، أكدت استمرار تراجع توزيع عدد الصحف الصادرة في مصر، وفقاً لأرقام عام 2015، مقارنة بالعام السابق له 2014، فإن ما خفي كان أعظم، بحسب ما يقول زملاء المهنة عن طبع صحفهم ومجلاتهم، خصوصاً الحكومية منها، وأن بعضها لا يطبع سوى 6 أو 7 آلاف نسخة ويوزع أغلبها مجاناً على المصالح الحكومية.

وكشف البيان، الذي نشره الجهاز الحكومي، عن تراجع توزيع الصحف الورقية الحكومية والخاصة والحزبية، بنسبة 14.4%، من 655 مليون نسخة عام 2014 إلى 560.7 مليون نسخة عام 2015.

كما أظهر أن عدد الصحف تناقص من 80 إلى 75 صحيفة، وأنه من بين 8 صحف معارضة كانت تصدر 2014، أصبح الموجود منها عام 2015 هو ثلاث صحف فقط عام 2015، بنسبة انخفاض 6.3%.

رئيس تحرير جريدة "الشروق" الخاصة عماد الدين حسين اعترف في مقال كتبه، بأن الارتفاع الجديد في أسعار الطباعة الذي أبلغتهم به مؤسسة الأهرام بنسبة 80%، سينعكس على تراجع التوزيع، "المتراجع أصلاً"، بحسب قوله، وتحدث عما سمَّاه "مصيراً مجهولاً" لصناعة الصحف.

ولمَّح "حسين" إلى أن الحل الوحيد لبقاء هذه الصحف الورقية على قيد الحياة وإخراجها من الإنعاش هو "مناخ الحرية"، لو تم السماح للصحافة بالنشر دون قيود بما يخلق محتوى أكثر جذباً للقارئ، يجعله يشتري الصحيفة التي تنشر بحرية، وهو حل يبدو مستحيلاً في ظل التضييق على حرية النشر.

ولأنه من المتوقع أن توقف الحكومة، أو تقلص، دعمها للصحف الحكومية، في ظل أزمتها الاقتصادية، كما يتوقع المجلس الأعلى للصحافة، فمن المتوقع -وفق صلاح عيسى- أن تختفي الصحف الورقية الصغيرة ذات الإمكانيات المالية المحدودة، وتبقى الصحف الكبرى التي تحظى بوضع مالي أفضل نسبياً.

وهو ما يتوقعه أيضا جمال عبد الرحيم، سكرتير نقابة الصحفيين، الذي يوقع "إغلاق العديد من الصحف خلال الفترة المقبلة"، مشيراً إلى أن الأزمة ستطال الصحف الورقية الحكومية والخاصة معاً.

أعداد كبيرة من المصريين باتوا لا يشترون الصحف الورقية إلا نادراً، بسبب الظروف الاقتصادية وعدم وجود فائض لشراء صحف أو كتب.

وكاتب هذا المقال رغم أنه صحفي، وغيري كثيرون، توقفنا عن شراء أي صحيفة منذ 3 سنوات تقريباً، لتشابه ما تقدمه وتحولها لأبواق للدفاع عن ملاكها، على حساب الحقيقة، سواء كانوا رجال أعمال أم الحكومة.

مستقبل الصحف الورقية أصبح في مهب الريح، وقد نسمع عبارة "تعيش انت" لمن يسأل عنها قريباً.

والحقيقة أن هذا ليس في مصر فقط، فقد رصد تقرير نشره "مرصد الصحافة الأوروبية" حول "كيف ابتلع الفيسبوك الصحافة الورقية"، اختفاء 300 صحيفة محلية أوروبية، على مدى السنوات العشر الماضية بسبب التوجه للتكنولوجيا الحديثة.

ونوه بأن "وسائل التواصل الاجتماعي ابتلعت كل شيء، الحملات السياسية، والأنظمة المصرفية، والحكايات الشخصية، وصناعة الأدب، بل والحكومات وأنظمة الأمن، وباتت الهواتف التي نحملها هي بوَّابتنا على العالم".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.