المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد جمال عرفة  Headshot

الكتابة باسم مستعار تحت وطأة "لقمة العيش "!

تم النشر: تم التحديث:

قال لي وأنا اجلس مع صديق: "هل قرأت مقال الكاتب فلان؟"، قلت "نعم"، قال: "هل أعجبك؟"، قلت "إلى حد ما؟"، ففاجأني بقوله: "هذا الكاتب يكتب بجرأة ولكنه (حمار) لأن مقاله مليء بأرقام تاريخية خطأ"، قلت له: "هل تعرفه؟"، قال: "لا"، وهنا انفجر صديقي الذي يجلس بجانبي من الضحك!.

استغربت، وقلت لصديقي: "ما يضحك؟"، فقال: أصلي أنا "الحمار" الذي يتكلم عنه هذا الرجل؟"، قلت: "ولكن هذا ليس اسمك؟"، قال: "نعم هو اسم وهمي (مستعار) أستخدمه كي أقول رأيي بحرية في زمن عزت فيه الحرية، وأصبح صاحب الرأي الحر معرضاً للبطش أو الفصل من عمله وربما الاعتقال.

في اليوم التالي صادفت زميلاً صحفياً آخر يعمل في صحيفة حكومية، وبينما كنا نتحاور، وأمتدح عموداً صحفياً جديداً ظهر في جريدته، وأسأله: "هل هذا كاتب جديد؟"، إذ به يلتفت يميناً ويساراً ثم يقول لي: "هذا أنا ولكني أرسل المقال عبر البريد الألكتروني للصحيفة كي أعبر من خلاله عن رأيي دون أن يعرف أحد"!.

حينها تذكرت أنني شاهدت اسم زميل صحفي (متوفٍّ) لا يزال يكتب باسمه، فقلت: قد يكون أحدهم استعاره ليكتب به متخفياً، وتذكرت شاعراً كان يجلس على مقهى يدبج الشعر ليبيعه لآخرين ليست لديهم الموهبة مقابل حفنة قليلة من المال، لأن اسمه "مغضوب عليه"، فيلجأ للسعر وينسى الاسم.

الكتابة تحت اسم مستعار من التقاليد الصحافية العتيقة ليس في الوطن العربي فحسب، ولكن في معظم المؤسسات الصحافية في مختلف دول العالم، وهذا التخفي أو الاسم المستعار كان في زمن ماض يستخدمه شخص ما (أو في بعض الأحيان مجموعة من الأشخاص) بغرض إخفاء هويته الحقيقية، فقد تكون الكاتبة فتاة من أسرة لا ترغب في ذكر اسمها، أو سياسيون وأمراء يكتبون بأسماء مستعارة لإخفاء هويتهم.

وقد كتب صحفيون مصريون وعرب كثيرون بأسماء مستعارة كنوع من التخفي لأسباب عدة، مثل الرغبة في جذب القراء الباحثين عن الغموض وعالم الأسرار، وأشهرهم إحسان عبدالقدّوس مئات المقالات الموجهة للمرأة تحت توقيع «زوجة أحمد» ولما ذاع سرّ الاسم أصدرها في كتاب بالتسمية نفسه.

ولكن في زماننا، اختلفت الغاية، وباتت الكتابة باسم مستعار هدفاً يلجأ له العشرات من الصحفيين والكتاب العرب للسماح لهم بلقمة العيش، أو للخوف من التعرض للاعتداء من قبل آخرين لا يتفقون معهم في الرأي، أو هرباً من بطش السلطة.

قال لي صحفي على المعاش أنه يكتب بثلاثة أسماء مستعارة في ثلاثة صحف مختلفة، وعندما سألته عن السبب، قال إنه عندما أراد أن يكتب في صحيفة باسمه الحقيقي، وهو معارض للنظام، قيل له صراحة من قبل رئيس تحرير الصحيفة- رغم أنه ليبرالي- "هذا زمن الرأي الواحد ولا توجد مساحة للرأي الآخر في الوقت الحالي"، وأنه لا يستطيع السماح له بالكتابة حتى ولو في باب قصص الأطفال لأن هناك من سيقول إنه "يسمم عقول النشء".

وقال لي آخر أنه يخشى التعرض للمساءلة القانونية بسبب كتاباته التي تتسم بالنقد اللاذع، بعدما صدرت حزمة قوانين في بلده تسجنه لو قال أي معلومة تخالف ما تعلنه حكومته رسمياً، وقال لي صحفي شهير أنه كلما كتب مقالاً يقول فيه رأيه بحرية، أتته الكثير من الاتصالات تحذره من "تخطئ الخطوط الحمراء".

هذا اللون من الكتابة (المستعارة) كان في الماضي مجرد حالات تُعد على أصابع اليد الواحدة، ولكنه عقب الربيع العربي ثم ما سمي "الثورات المضادة"، تحول إلى ظاهرة، وانتشر بكثرة في الصحف العربية والمحلية، حتى وصل الأمر إلى حد وصفه بأنه "موضة" في صحافتنا وسمة أساسية من سمات المنتديات الألكترونية على شبكة الإنترنت.

بل إنني حينما كتبت على محرك البحث عبارة (اسم مستعار) كنوع من الفضول لمعرفة ماذا سأجد، فوجئت بمن يقدم لهؤلاء (المستعيرين) العرب، في الصحف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، خدمات غزيرة تبدأ من: "كيف نختار لك اسما مستعاراً من بين 500 اسم مختلف؟، إلى "كيف تستخدم أسماء مستعارة للبريد الإلكتروني"، و"أسماء مستعارة مميزة وعجيبة لتختار منها"، وو.. إلخ.

صحيح أن هذه الظاهرة قديمة والأسماء المستعارة ظاهرة وجدت في العصور المختلفة، وكان الانسان يخترع لنفسه حينها، اسما مستعارا له يكون بديلا عن الاسم الحقيقي، وكثرت هذه الظاهرة في عالم الكتابة، وكان الشعراء يلجئون لها، وكذلك المرأة التي كانت ممنوعة من الظهور والكتابة لأسباب اجتماعية، ولكن على الرغم من انتهاء هذا العصر، تتضخم الظاهرة وتزايد أسباب اللجوء للاستعارة، بسبب القلق من البطش بأصحاب الآراء الحرة.

وقد تستغرب لو علمت أن (فولتير) مثلاً المدافع عن الحريات، والإصلاح الاجتماعي هو الاسم المستعار للكاتب الفرنسي (فرنسوا ماري أرويه)، واختار هذا الاسم هربا من قوانين الرقابة الصارمة والعقوبات القاسية ولينفض عنه أية علاقة تربطه بأبيه أو بعائلته.

أو أن (موليير) اسمه الحقيقي (جان باتيست بوكلين) وأراد أن ينأى بنفسه عن عائلته البرجوازية الفقيرة وابيه الي كان يعمل خادما للملك لويس السادس عشر، وما يمكن أن يسببه لها من إحراج، وهو يكتب مسرحيات هزلية ساخرة.

ولكن بعد نصف قرن من كتابة هؤلاء الفلاسفة وغيرهم بأسماء مستعارة خشية البطش أو الهرب من واقع اجتماعي، لا يزال يوجد في العالم العربي من يطلق عليهم (المستعارون العرب)!.