المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد جمال عرفة  Headshot

الكوميديا السوداء.. لماذا فرح المصريون بخطف طائراتهم؟!

تم النشر: تم التحديث:

ما الذي يجعل أبناء شعب يفرحون لخطف طائرة خاصة ببلدهم، ويهنئون المخطوفين ويطالبونهم بعدم العودة لبلادهم مرة أخرى، ويحسدونهم على "حظهم"؟!

الأمر غريب وعجيب ويحتاج إلى تحليل "ماذا جرى للمصريين؟" على غرار ما طلبه مركز معلومات مجلس الوزراء المصري من 15 خبيراً نفسيًّا وتربويًّا وإعلاميًّا -كنتُ أحدهم- عام 2009، حول "إلى أين تتجه القيم في مصر؟"، وتم نشره في كتاب: "أجنحة الرؤية.. أفق الرؤية المستقبلية لمصر 2030" وأشار بوضوح لـ"انقلاب صادم في قيم المصريين"!

فبرغم أن حادث اختطاف عاطل ومسجل جنائي سابق -بحسب ما أعلنت الشرطة المصرية- ضرب ما تبقى من مصداقية أمن المطارات المصرية، وقضى على أمل إنعاش السياحة المعدمة، ما سينعكس على حياة السواد الأعظم من المصريين، إلا أن رد فعل قسم غير قليل من المصريين كان السعادة والسخرية!

وتحول الحادث الي كوميديا سوداء، وسخرية يجب أن تزعج النظام في مصر، لأنها مؤشر خطير وشهادة وفاة لـ"الانتماء" الذي هو أساس تقدم أي دولة، ويفخر بها شعبها.

"ما حدث يحتاج إلى تحليل نفسي"، هكذا قال طبيب نفسي سألته تعليقاً على كل هذه السخرية و"القلش" وخفة الدم والنكات الساخنة، برغم أنهم يعلمون أن الأحوال الاقتصادية سوف تتضرر أكثر وسيتحملونها هم.

هذه الكوميديا السوداء كشفت خلفها مجموعة من الحقائق:
(الأول): أن المصريين تصرفوا -كعادتهم- مع الحادث بمنطق السخرية، ربما لتخفيف أثر الصدمة على بلادهم، فسخروا تارة من "الإرهاب الرومانسي" حينما قيل إن الخاطف فعل هذا ليذهب لطليقته في قبرص، وتارة من منطلق أن من تم خطفهم وسفرهم بالقوة لقبرص محظوظون بالمقارنة بعشرات الشباب الراغب في السفر وغير قادر، وأطلق هاشتاغ "يا ريتني كنت معاهم".

(الثاني): النظر إلى التضارب في المعلومات لدى المسؤولين المصريين على أنه أصبح "عادة" تدل على الفشل في إدارة الأزمات، لدرجة اتهام أستاذ جامعي بأنه الذي خطف الطائرة ثم الاعتذار له، وهو ما تكرر في حوادث الطائرة الروسية، بالادعاء منذ أول لحظة أنها وصلت تركيا بسلام، بينما كانت تحترق على أرض سيناء! وخطف الشاب الإيطالي، الذي لم تُبقِ السلطات المصرية على أحد إلا واتهمته بقتله، من الإخوان، لداعش، للصوص، لصديقه الإيطالي بسبب التنافس على فتاة، إلى تعاطيه المخدرات، لكي تبعد الشبه عن الفاعل الحقيقي المعروف.

(الثالث): القمع السياسي والأمني، دفع أسرة الخاطف الخطأ الدكتور إبراهيم سماحة، من باب الاحتياط وسد الثغرات، للتصريح للصحف أن "ابننا يعاني اضطرابات نفسية"، برغم أنه كان مخطوفاً، والأمر نفسه تكرر أسرة وجيران الخاطف الحقيقي الذين لم يتركوا نقيصة إلا واتهموه بها، لينجوا بأنفسهم، خاصة أن الشرطة اعتقلت 16 من أقاربه وجيرانه للتحقيق معهم.

(الرابع): لجأ اعلاميو وخبراء النظام، كما جرت العادة، لنظرية المؤامرة واتهام جماعة الإخوان بالمسؤولية عما يجري، أو الحديث عن أن العملية "مؤامرة مخابراتية لتركيع مصر"، وهو نفس ما جرى سابقاً من حالات تبريراً للفشل، وعندما قال وزير الطيران إن خطف الطائرة "هزار تقيل شوية"، والخاطف "ملوش مطالب سياسية"، وقالت الشرطة إنه مسجل خطر، هدأ حديث المؤامرة.

(الخامس): تصرف معارضو النظام بنفس المنطق السهل، وتحدثوا عن نظرية المؤامرة منذ اللحظة الأولى للحادث، فألمحوا تارة إلى أن الحادث تغطية على إقالة السيسي لرئيس جهاز المحاسبات؛ لأنه كشف الفساد في مصر، أو للتغطية على المشاكل الاقتصادية وارتفاع سعر الدولار، أو عملية مخابراتية لإلهاء الشعب..

السؤال الحقيقي الذي أثير وعُدَّ من قبيل الكوميديا السوداء أيضاً أن القاهرة سعت لاكتساب ثقة الدول الأجنبية في أمن مطاراتها لاستعادة السياحة المفقودة منذ تحطم طائرة روسية في سيناء يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول ومقتل 224 شخصاً، ووقعت اتفاقاً مع شركة "كونترول ريسكس" البريطانية لتقييم أمن المطارات المصرية.

وقد حصلت الشركة على 700 ألف دولار كمرحلة أولى، وأعلن المسؤولون المصريون تأمين المطارات، والبدء في مطالبة روسيا والدولة الغربية بإعادة السياحة، فجاء حادث خطف الطائرة ليهدم ما تبقى من السياحة، ليُثار السؤال: ماذا فعلت الشركة الأجنبية؟ وكيف خطف شخص طائرة بحزام من القطن وموبيل؟!

دروس مستفادة
ولكن كيف نستفيد من هذا؟

واضح أن هناك انقلاباً صادماً بالفعل في منظومة القيم المصرية المتوارثة وهي أساساً قيم دينية بسبب حالات الصدمات بين أنظمة قمعية ثم ربيع عربي ثم عودة لنفس الأنظمة القمعية وإحباط واكتئاب متصاعد.
وواضح أن فشل "القدوة" التي يقدمها القادة السياسيون أو الاجتماعيون، ومنهم نجوم فضائيات وفنانون وغيرهم فقدوا الثقة فيما يروجونه من أكاذيب، خلق حالة تشكيك من المواطن في الجميع ومظاهر انسحابية واكتئابية ترفض كل شيء وترغب في الهروب.

وواضح -ثالثاً- أن "محاربة العدالة بسيف الفساد" بدلًا من "محاربة الفساد بسيف العدالة"، كما ظهر من حالة محاكمة هشام جنينة لأنه تحدث عن حكم فساد
بـ600 مليار جنيه، فضلاً عن الأحكام الانتقائية، انتحت كفراً بمنظومة العدالة.

وواضح -رابعاً- أن الظروف الاقتصادية والسياسية السائدة، مثل غياب الحريات وارتباط الفساد الاقتصادي بالفساد السياسي، والشعور بأن "البلد جارٍ تقسيمه وبيعه"، وارتباط هذا بتجذر مشكلات الغالبية من المصريين مثل مشاكل البطالة والعنوسة وغلاء الأسعار، والرشوة ومحاباة أهل الحظوة والأقارب، أنتج حالة "إنكار" لأي شيء، والتشكيك في أي شيء.

ترى هل نستفيد من دروس كوميديا خطف الطائرة السوداء؟ أم سيثار السؤال: وهل استفدنا من قبل بدروس تفجير الطائرة الروسية أو قتل الشباب الإيطالي، أو "تصفية" المعارضين المعتدلين، الذي أنعش المتطرفين والإرهابيين؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.