المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد جمال عرفة  Headshot

ماذا يفعل الصحفي العربي حينما ترفض الصحف نشر قصصه

تم النشر: تم التحديث:

ماذا يفعل الصحفي المصري أو العربي حينما يرفض الناشرون (صحف أو مجلات أو مواقع الكترونية) نشر قصصه لأسباب مختلفة أغلبها الخوف الأمني أو مساحة الحرية المتاحة أو القلق من قلم المحرر الساخن على مصالحهم الاقتصادية؟ هل يستسلم لليأس والصراخ عبر مواقع التواصل عن تقلص مساحات الحرية أم يواصلون محاولة النشر ولو بطرق مختلفة؟
هل يوصل قصصه وتقاريره الإخبارية ومعلوماته للصحف الأجنبية ومراسليها في بلاده، كي ينشروها في صحف بلادهم الأكثر جرأة وحرية ويجلس يتابع ردود أفعال سبقه الصحفي الذي تذهب ردود أفعاله لغيره؟ وقد يتهم بعدم "الوطنية"؟ أم ينزوي في ركن بمكاتبه أو منزله ويكتب ما يريده الناشر أو الصحيفة من أجل لقمة العيش؟ واتقاء برد السجون؟

هذا السؤال أصبح هو محور المناقشات في القاعات الداخلية لأغلب الصحف والصحفيين المصريين في ظل حملة اعتقالات طالت 32 صحفي بحسب نقابة الصحفيين، والتضييق على أخرين، ومنع نشر ما يخالف وجهة النظر الرسمية سواء في الصحف الحكومية أو الخاصة.
وزادت الأزمة جدلا بعدما أحيل الصحفي (غير النقابي) حسام بهجت للتحقيق العسكري لأنه نشر تحقيق استقصائي بالمستندات عن محاكمة 26 من العسكريين و2 من قادة الاخوان، فيما قيل إنه محاولة انقلاب لم تشر اليها السلطات المصرية في أي بيان، فوجهت له اتهامات بنشر معلومات كاذبة، ويتوقع إحالته لمحاكمة عسكرية.

هايمور هيرش وراء حبس حسام بهجت

حالة حسام بهجت مختلفة عن أغلب الصحفيين المعتقلين الممنوعين أصلا من الكتابة والنشر، لأنه تم حبسه وتوجيه تهم له في "قضية نشر" في وسيلة إعلامية الكترونية حرة لا علاقة لها بالصحف الحكومية والخاصة، كما أن كان يعلم أنه يخوض في عش الدبابير بالنشر عن مسألة عسكرية حساسة.
ولكنه اختار النشر متذكرا نصيحة أعطاها له الصحفي الأمريكي سايمور هيرش ربما كانت السبب في سجنه وما تعرض له من تحقيق قبل أن يتم الإفراج عنه على ذمة القضية.

ففي ديسمبر 2014 وخلال جلسات مؤتمر "أريج" السابع بالأردن، أو (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية)، الذي جمع بين صحفيين عرب والصحفي الاستقصائي العالمي، سيمور هيرش، سأل الصحفي والحقوقي، حسام بهجت "هيرش": ماذا يفعل الصحفيون في مصر المستعدون للتعايش مع المخاطرة، عندما يكتبون قصصهم، ولا يتم نشرها، لأن الناشرين إما أنهم مع النظام، أو يعتقدون أن الخطورة عالية لنشر هذه القصص؟.
وقال له: "في مصر ليس لدينا غير القصة الحكومية، ولا نعرف ما يحدث فيها، لا نعرف ما الذي يحدث في سيناء، ولا نعرف هل هناك تدخل مصري في ليبيا؟، ولا أحد يسأل عما يجري في الحرب على الإرهاب".

وتابع "إن الصحفيين ما لم يستطيعوا نشر قصصهم في وسائل إعلام رئيسية "لن يكون لها تأثير يبرر المخاطرة، فكيف تري الحل؟
"هيرش" أقنع بالتالي "بهجت" أن يستمر في الكاتبة والنشر حتي ولو رفض الناشرون النشر قائلا: "عليك أن تكمل طريقك.. أن تدفع في اتجاه صناعة القصة"، وقال موجها حديثه لكل صحفي عربي عموما: "عليك أن تستمر في فعل ما يجب عليك أنه تفعله، لأن الاختيار الآخر أمامك أن تستمر في الصراخ لأن الناشرين جبناء؟.

ما قاله "هيرش" ربما كان سببا في حبس حسام بهجت لأنه تجرأ ونشر قصة بها مخاطر، ولكن ما فعله "بهجت" يراه بالمقابل الإعلامي البريطاني، تيم سيباستيان أشبه بعمل "الجراح".
"الصحفي الذي يخشى كشف تجاوزات الحكومات يماثل الجرّاح الذي يرفض إجراء عملية لإنقاذ حياة مريض"، هكذا قال "سيباستيان" في واحدة من نصائحه للصحفيين العرب، للعمل الاستقصائي، لكشف الحقيقة.

ولكن تجربة حسام بهجت، وغيرها من تجارب صحفيين مصريين وعرب تعرضوا للحبس أو التحقيق معهم بسبب نشر قصص ترفضها الحكومة، ويغضب منها الحكام، أعادت السؤال عما يفعله الصحفي العربي لو كان لديه قصة خبرية متكاملة، ولديه وثائق وأدلة، ولكن نشرها قد يؤدي به الي السجن، كما أن عليه أن يخوض مغامرة لمحاولة إقناع أي ناشر أو مالك صحيفة عربية أن ينشرها له؟.

سيمور هيرش، قال في نفس الندوة السابقة حلا ساخرا: "الحل أن نتخلص من 90% من الناشرين، ولكي أكون واقعي أكثر، لنقل، 70%، ولتعلموا أن الناشرين دائمًا جبناء، ولهذا السبب هم ناشرون.. فروع الإعلام الرئيسية يتم التحكم فيها".

والحقيقة أن هذه مشكلة لكل الصحفيين المصريين والعرب تقريبا، حتى أنني طلبت من رئيس تحرير صحيفة مصرية خاصة شهيرة - عبر صديق - أن اكتب مقالا في جريدته أو أعمل في التحرير لأوفر لأسرتي لقمة العيش بعد غلق جريدتي، فجاءني الرد الذي لم استغربه: "هذا زمن الرأي الواحد ولا توجد مساحات لأراء مختلفة"؟.

وهناك قصص عديدة معروفة عن عشرات الصحفيين أو الإعلاميين الذين يجلسون في منازلهم لأنه غير مسموح لهم بالنشر.
البعض يلجأ إلي النشر الإلكتروني للقصص الصحيفة، عبر مواقع صحفية مجهولة وربما مجانا، ما قد لا يشجعه علي الاستمرار لأنه في حاجة لتوفير سبل المعيشة لأسرته، والبعض الاخر لا يجد وسيلة سوي التغريد علي تويتر أو كتابة بوستات علي فيس بوك ليتسلى!.

ولكن هل هذا حل للسؤال الذي سألناه في عنوان المقال؟ بالطبع لا، فالجميع يعلم أن الصحفي العربي لو غامر ونشر أي قصة أو تقارير مخالف أو معارض للرواية الرسمية في أي وسيلة إعلامية ولو علي صفحته علي مواقع التوصل فهو معرض أيضا للأذى.

والمشكل الأكبر في العالم العربي أن الناشرون إما يتقمصون المثل القائل: "ملكي أكبر من الملك" فيتبرعون بمنع أي رأي ليريحوا أنفسهم، أو يتقمصون أسلوب ناظر المدرسة في التعامل مع المراسلين حتى ولو كانوا أكثر خبرة، وفي كلتا الحالتين يضيع حق الصحفي في النشر، ولكن هذه المرة بدون أن تمنعه قيود الحكومات بشكل مباشر.

وقد ضحكت بشدة حينما وجدت عدد من الصحفيين يكتبون على حسابتهم تعريفات طريفة تعبر عن الواقع المأساوي للبحث عن لقمة العيش، فهناك صحفي كتب يعرف نفسه على حسابه بقوله: "صحفي علي ما تفرج وشغال محاسب اليومين دول!"، وصحفية كتبت تقول: "صحفية في ... وبعمل أساور هاند مايد وابيعها، لأن شغل الصحافة مبيأكلش عيش، ونقول بالمرة #عيش #حرية"!؟.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.