المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد جمال عرفة  Headshot

انتخابات مصر..هل تُنذر بشتاء عربي بعد الربيع الضائع؟

تم النشر: تم التحديث:

يبدو أن العالم العربي في طريقه لـ"شتاء عربي" عنيف قاس، بعدما انهار "الربيع العربي" المخملي السلمي، أو جري إجهاضه من قبل أصحاب النفوذ في الانظمة المختلفة، وأنه بدلا من "التغيير السلمي" الذي جاء به الربيع العربي، قد نكون إزاء "تغيير عنيف" في السلطة من قبل الشعوب في المرة المقبلة طالما لم تتحقق أمانيها، بل وزادت أحوالها تدهورا اقتصاديا وسياسيا.

كثيرون أخطأوا وتصوروا أن من قام بالثورات العربية هم بعض شباب الائتلافات الثورية التي ظهر منه في مصر وحدها 350 ائتلافا ثوريا، تبخرت جميعها الان ولم يبق منها إلا أصحاب المصالح، بينما الحقيقة هي أن من قام بالثورات هم الشعوب الذين تمردوا على تدهور أوضاعهم المعيشية والفساد الاقتصادي قبل السياسي.

فمن عيوب ثورات الربيع العربي أنه لم يكن لها قائد، فسعى كل فريق سياسي لركوب مقعد القيادة، وادعاء أن الشعب اختاره، وجاء فشل (أو إفشال) من اختارهم الشعب فعلا في الانتخابات الأولى بعد الثورات، لأنهم لم يقدموا التحسن الفوري المرغوب في أحواله، أو يصارحوه بالواقع الاليم، لتعاد السلطة الى مراكز القوى القديمة.

ويبدو أنه مثلما قدمت مصر نموذجا لإسقاط الشعب للسلطة الفاسدة التي رفعت شأن رجال الاعمال على حقوق الفقراء والعمال والموظفين، في ثورة 25 يناير، فهي مرشحة للقيام بدور مشابه، ولكنه هذه المرة أكثر سخطا بسبب التدهور في الاحوال الاقتصادية بأكثر مما كان قبل الثورة، وتسارع القرارات التي رفعت عنهم الدعم ورفعت الاسعار ونشرت البطالة والفقر المدقع (4 ملايين مصري في آخر احصاء رسمي).

لهذا، أيا كانت الأسباب التي يسارع المحللون لطرحها تفسيرا لمقاطعة أغلبية المصريين للمرحلة الأولى من انتخابات برلمان 2015، وبعضها صحيح، فالسبب الحقيقي والجوهري للمقاطعة هو "الانهيار الاقتصادي" الذي يتضرر منه غالبية المصريين، والذي تبدو مظاهره في صورة هبوط قيمة الجنيه مقابل الدولار وارتفاع أسعار السلع والبطالة وغيرها.

ما الذي تنتظره من مواطن يعاني لتوفير لقمة العيش لأبنائه ولا يكفيه راتبه لدفع فواتير الكهرباء التي تقفز كل شهر، أو شراء الطعام أو العلاج أو المواصلات، وغيره؟ وما الذي تنتظره من شاب درس في أفضل الكليات ونجح بتقدير عال ولكنه أصبح يجلس على المقهى، لأن حكومته تعين أبناء المسؤولين الأقل كفاءة بدلا منه، ومنعت التوظيف في المصالح الحكومية إلا للمحظوظين؟

وما الذي تنتظره من مواطن يرى أن سياسات الحكومة الاقتصادية تخدم رجال الاعمال وتدللهم، ولا تعيره التفاتة وتنزع عنه الدعم نزعا، وتصدر مئات القوانين لتكبله بالقيود، ومن يعترض مصيره التنكيل، حتى أنها تحرم أبناء المتفوقين في الثانوية من كليات القمة بالقاهرة لتوفرها لأبناء القضاة والضباط بدعاوى أمنية؟

مرحلة الشتاء العربي

هذا التحليل ليس مجرد رأي فردي، ولكنه قراءة في أحوال عامة تشهدها العديد من الدول العربية ومنها مصر، بل إن وسائل الإعلام الأجنبية علقت على ضعف الإقبال على مراكز الاقتراع في مصر بالقول: "إن ما يحدث في مصر ينبئ بقدوم مرحلة الشتاء العربي في المنطقة".

فشبكة (بلومبرج) اعتبرت أن ضعف الإقبال على الانتخابات البرلمانية "علامة على «الشتاء العربي»، لأن الانتخابات البرلمانية المصرية باتت "بلا معنى" في ظل تهميش القوى الفاعلة في الحياة السياسية مثل الإخوان المسلمين "التي أصبحت جماعة محظورة"، والجماعات الليبرالية واليسارية "التي لم يعد لها أثرا".

واعتبرت أن "موسم الشتاء داهم العالم العربي ولا تلوح في الأفق نهاية له"، وأن هذا ما "عبر عنه مشهد الانتخابات البرلمانية العبثي في مصر".

وتوقعات تقرير (ستراتفور) للربع الأخير من عام 2015 ألا تشهد الشهور الثلاثة المقبلة أي تسويات في مصر أو دول الربيع العربي الأخرى مثل سوريا وليبيا، وسيخيم الشعور بفقدان الثقة ليس على مناطق المنطقة الملتهبة فحسب، بل العالم أجمع.

وصحيفة "فايننشيال تايمز" قالت إن "ضعف الإقبال انتكاسة لادعاءات النظام المصري بأنه يقوم ببناء نظام سياسي يستجيب لتطلعات المواطنين المصريين".

وصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية رأت أن "عبدالفتاح السيسي وضع نظاماً للتصويت بدا أن هدفه هو القضاء فعلياً على أي حوار سياسي أو منافسة أيديولوجية".

وقالت وكالة رويتر إن "ضعف الإقبال الذي جاء بعد يوم من دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسي المصريين للتصويت، يشير إلى أن ضابط الجيش السابق الذي كان يتمتع بشعبية منقطعة النظير بدأ يفقد قدرا من هذه الشعبية".

وكثير من المحللين الغربيين اعتبروا ضعف اقبال الناخبين في مصر يرجع إلى رفض النظام الحالي وتراجع شعبيته، وقال صامويل تادرس، من معهد هدسون: "إن البرلمان المقبل لن يعكس القوى الحقيقية في مصر، وسيمثل فقط أولئك الذين يدعمون النظام الحالي".

انتهى الربيع العربي بلا ربيع، وتمت سرقة مكاسبه من قبل من لم يقدموا للشعب ما سبق أن اتهموه به من قبل الحكومات التي جاءت عقب الثورات العربية بالفشل في تقديمه، وعادت سحب الغضب لتتجمع مرة أخرى بين غالبية الشعب غير المسيس، الذي يبحث عن تحسين أحواله، فهل نشهد "شتاءً عربياً قاسياً وغاضباً وعنيفاً"، أم يتدارك من في السلطة حالياً الأمر قبل هطول عشرات السحب الرعدية الممطرة الغاضبة؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.