المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد جمال عرفة  Headshot

"تديين" السياسة أخطر من "تسييس" الدين

تم النشر: تم التحديث:

هل لاحظ أحد أن الأحاديث "الدينية" للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكثر من "السياسية"، وأنه سعى في كثير من المناسبات لتفسير أحداث سياسية من منطلق ديني؟ وأن هذا "التديين" للسياسة في مصر، تعاظم منذ اللحظة الأولى لمجيء السيسي للسلطة، والحرص علي ظهور رموز دينية في المناسبات الرسمية بما فيها المناسبات السياسية والعسكرية؟

وهل لاحظ أحد أن "المؤسسات الدينية" تحولت بدورها للظهور كأنها "مؤسسات سياسية"، فأضحت البيانات الصادرة من الأزهر تصر على تأكيد أن 30 يونية "ثورة"، وأنه لا مجال للمصالحة السياسية مع الإخوان؟ وأن وزارة الأوقاف دشنت ما سمي "مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية" ليرد على الصحف الأجنبية والحركات السياسية الإسلامية، وينفي تقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.

مرصد ما سمي "الفتاوى الشاذة والتكفيرية"، التابع لوزارة الأوقاف أصدر 28 فتوى أو تقريرًا، جزء منها أشبه بفتاوى سياسية تتعلق برصد ونقد ما تنشره صحف أجنبية أو مصرية أو ما يصدر من جماعات سياسية ويحذر من "مخططات للإخوان".

وقد لفت التوجه السياسي -لا الديني- للمرصد، نظر الكاتب البريطاني "ديفيد هيرست" رئيس تحرير موقع "ميدل إيست آي"، فكتب مندهشًا يوم 19 أغسطس الجاري يقول: "وصلتني رسالة عبارة عن بيان صادر عن كيان مثير للفضول يسمي نفسه مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية "يشتكي لا من تصريحات دينية صدرت عنّا وإنما من تقرير إخباري كنا قد نشرناه".

وكان التقرير البريطاني ذكر تعليقًا على مقتل الرهينة الكرواتي، أنّ "اختطاف الأجانب داخل مصر يؤثر على الاستثمارات الأجنبية، كما أن تنفيذ إعدام كرواتي على أيدي تنظيم داعش سيكون له آثار على الاقتصاد المصري الضعيف بالفعل"، فرد عليه مرصد الفتاوي التابع لوزارة الأوقاف يقول له: "من شأن ما ذكرتموه إحداث البلبلة وإضعاف إقبال المستثمرين الأجانب للاستثمار داخل مصر".

وتساءل "هيرست": "ما الذي يجعل كيانًا متخصصًا في المسائل الدينية يعلق على موقع في الإنترنت مجال عمله الأخبار؟".

قبل هذا استعان النظام في مصر بالمفتي السابق علي جمعة الذي برر قتل المعتصمين عندما تسرب عنه -بحسب ما نشرته صحف- قوله للجنود والضباط: "اضرب في المليان .. طوبى لمن قتلهم وقتلوه.. من قتلهم كان أولى بالله منهم؛ بل إننا يجب أن نطهر مدينتنا ومصرنا من هؤلاء الأوباش. إنهم لا يستحقون مصريتنا.. لقد تواترت الرؤى بتأييدكم من قِبل رسول الله".

أيضا حينما تم افتتاح تفريعة قناة السويس الجديدة، صدرت تعليمات لجميع الأئمة والخطباء من وزارة الأوقاف بإلقاء خطبة الجمعة عن "فضائل مشروع قناة السويس وما يعود به على الاقتصاد المصري من فوائد كثيرة"، ومع كثرة الحديث في السياسة على المنابر في اتجاه الهجوم على الإخوان، استغرب كثيرون إقحام الدين في السياسة في مصر، وفي اتجاه واحد لدعم الحكومة، برغم النقد الشديد لهذا أيام الرئيس السابق مرسي.

وقبل عدة أيام أصدر الأزهر، منشورًا رسميًّا، يطالب جميع العاملين بالأزهر بضرورة "تقديم ما يثبت تبرُّئهم مما أسماها (الكيانات المحرضة على نظام الحكم، وتهدد أمن واستقرار الوطن)، ذكر منها: جماعة الإخوان، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وجبهة علماء الأزهر، ورابطة علماء أهل السنة، وجبهة علماء ضد الانقلاب، والاتحاد العالمي لعلماء الأزهر، وغيرها من كيانات لا يعترف بها الأزهر.

وجاء في المنشور الرسمي أنه سيتم اتخاذ إجراءات حاسمة ضد المنتمين إلى هذه الكيانات و"ضرورة التقدم إلى جهة العمل التي ينتسبون إليها بما يفيد قطع صلتهم بهذه الكيانات، وعدم الإقرار بما تقوم به من التحريض على نظام الحكم وتهديد الأمن والاستقرار، خلال خمسة عشر يومًا من نشر المنشور، وسيعتبر عدم التقدم إلى جهة العمل بما يفيد ذلك إقرارًا وموافقة على مسلك هذه الكيانات".

والغريب أن مجلة فورين بوليسي، رصدت في تقرير مبكر لـ"روبرت سبرنجبورج" -وهو أستاذ العلوم السياسية بقسم شؤون الأمن القومي في الكلية البحرية الأمريكية وباحث متخصص في العسكرية المصرية- في سبتمبر 2014 هذا "التديين للسياسة"، وقول الكاتب أنه "يتوقع أن يستخدم السيسي الدين لإضفاء صبغة شرعية على حكمه الدكتاتوري، وهو ما لم يلحظه المراقبون الغربيون" على حد قوله.
وقال: "أصبحت المؤسسات الإسلامية في مصر في عهد السيسي أكثر من مجرد أدوات دعم للنظام؛ بل أضحت جزءًا من الطغيان نفسه، ومن المفارقات في حملة السيسي ضد التطرف الإسلامي، أن هذه الحملة نفسها هي نوع من التطرف الدين" بحسب قوله.

ولفت لهذا "التديين للسياسة" في عهد السيسي بعدما كانت الانتقادات توجه لـ"تسييس الدين" في عهد مرسي، أيضًا، الكاتب "باتريك كينجزلي" في صحيفة الجارديان الذي قال إن "خطاب المتظاهرين الذين طالبوا بإقصاء مرسي لعب على فكرة المخاوف من سعي الرئيس والإخوان لإرساء حكم ديني في مصر، لكن بعد مجيء السيسي "ما زال يجري اللعب بالدين من قبل النظام الحالي في السياسة لتبرير تصرفات السلطة وقمع المعارضين"، بحسب تعبيره.

وقالت الجارديان: إن "السيسي يقصد باستخدام العبارات الدينية أن يثبت للناس أن مصر دولة متدينة وربما أكثر تدينًا وتقوى من جماعة الإخوان"، وأن "منهج الحكومة يتلخص في استخدام الدين لدعم سيطرتها".

المشكلة أن هؤلاء الذين هاجموا التيارات الإسلامية وقالوا "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، لا يجدون غضاضة الآن في استخدم الدين لدعم السياسات الجديدة المتبعة وتبرير القمع باسم الله، كما كانت تفعل الكنيسة في دعمها لملوك الغرب في العصور الوسطى، ولا يعترضون على "تديين" السياسة، ما يصبغ هالة دينية "شرعية" على كل ما يصدر عن الرئيس أو الحكومة.

وخطورة هذا "التديين" للسياسة وإسباغ الشرعية على تصرفات سياسية، من الطبيعي أن نتفق أو نختلف عليها وفق المعادلة الديمقراطية، أنه يعطي المتطرفين من أنصار تنظيم داعش نفس "الشرعية" الدينية في تفسيرهم الديني لما يفعلونه من قطع للرؤوس على أنه "حلال" باعتبار أنهم "دولة" أيضًا.

أما الأكثر خطورة هو: ماذا ستفعل هذه المؤسسات الدينية التي تدفع باتجاه "تديين السياسة" لحاكم بعينه، وتمارس هي دور "تسييس الدين"، حينما يتغير النظام السياسي الحالي -كما هي سنة الكون- ويأتي نظام أو حاكم جديد مختلف؟ وكيف تبرر مواقفها السابقة أمام أتباعها؟ والنتائج المترتبة على هذا وأبرزها انهيار صورة هذه المؤسسات الدينية وهيبتها في أعين الناس؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع