المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد جمال عرفة  Headshot

"صراصير" و"طراطير" الديمقراطية الغربية

تم النشر: تم التحديث:

نحن شعب الولايات المتحدة نعتنق الديمقراطية كإيمان، ولكن عندما يأتي الأمر إلى تعاملنا مع شعوب الدول الأخرى نلجأ إلى أساليب تتعلق بالسلطة والقوة، وعندما أقول نحن فأنا أعنى الحكومات وليس الأفراد".. هكذا لخص "رمزي كلارك" وزير العدل الأمريكي الأسبق طبيعة الديمقراطية الغربية في حوار مع صحيفة مصرية.

ما قاله "كلارك" عن دعاة الحرية الغربية "للغربيين فقط"، توافق مع ما كتبه رئيس تحرير صحيفة "الوطن" المصرية الخاصة الذي كتب مقالا عنونه "أنا صرصار وانت أيضا"، وتحدث فيه عن إيمانه وحلمه بالديمقراطية ولكنه تغافل عن كونه أحد من دعم الانقلاب على الديمقراطية عندما أتت بمن لا يحب.. الطريف أنهم يقولون أنه أقيل بسبب هذا المقال رغم اعتذاره عنه في مقال آخر.

هذه "الازدواجية" إذن موجودة في الغرب كما هي موجودة في عالمنا العربي" أصحاب هذا الاتجاه في الغرب يتبنون نوعًا غريبًا من "العنصرية الديمقراطية" إذ جاز التعبير، لأنه يعتبر أن الحريات والديمقراطية لم تخلق إلا للأمريكان والأوروبيين، فيما بين بعضهم البعض، ولا يجب أن يمتد الأمر لغيرهم بحسب قادة الغرب السياسيين، فلا ديمقراطية ولا حرية للآخرين، بحسب ما أوضح "كلارك".

أما في العالم العربي، فهناك هذا الفريق الذي أدمن التهليل لكل ما يتوافق مع المسطرة الغربية حتى لو تناقضت.. يطلقون عليهم "طراطير" الديمقراطية العرب الذين يرى فريق منهم أن الحرية والديمقراطية "مطلوبة" و"يجب تشجيعها" لو جاءت بالليبراليين واليساريين العرب فقط إلي صناديق الانتخابات، أما لو جاءت بالإسلاميين فهي "كخه" و"تسلق للسلطة" و"أخذوا السلم معاهم فوق"، و"الله الغني عنها"، و"احنا شعب لا تصلح له الديمقراطية"!.

إذ أن كلمة "طرطور" في اللهجة المصرية تعني الشخص "الديكور" الذي يكرر ما يملي عليه، وليس له رأي أو تأثير حقيقي.

والمنتقدون لهؤلاء، يعيبون عليهم أنهم منقادون لما يقوله ساسة الغرب عندما يطالبون بالديمقراطية للعرب ثم يتراجعون ويقصرونها على "الليبراليين العرب" فقط، لأنهم يرون أن الديمقراطية خطر ولا تصلح إذا جاءت الصناديق بالإسلاميين.

الذين انتقدوا هؤلاء المرددين لكل ما يقوله ساسة الغرب، ذكروهم بما فعله "بوش" - بعد هجمات 11 سبتمبر – عندما عمل فيها طرزان وارغي وازبد وهدد الحكام العرب لو لم يطبقوا الديمقراطية فورًا، وكان يتصور مع كثيرين في الغرب أنها ستأتي بـ "الليبراليين العرب" للحكم.

ولكنهم صُدموا بفوز حماس في فلسطين، ثم فوز الإسلاميين بنسب معقولة في برلمانات مصر والمغرب واليمن حينئذ، فقال بوش "مش لاعب"، وقلب الطاولة، وردد معه "الليبراليون العرب" قولتهم المشهورة "الديمقراطية لا تصلح للشعوب العربية" و"العرب لم ينضجوا بعد لممارسة الحكم الديمقراطي"!.

وعندما ثارت الشعوب وهبت رياح "الربيع العربي" على غير رغبة البعض، وجرت انتخابات حرة اكتسح فيها المنتسبون للتيارات الاسلامية برلمانات العرب، ثم تم العصف بهذا التجارب ووأدها، ماذا حدث؟ تعاون الساسة في الغرب مع منتهكي الحريات وقاتلي الديمقراطية!

عندما عقد المرشحون الجمهوريون والديمقراطيون المحتملون لانتخابات الرئاسة الأمريكية المقررة في 2016 مؤتمرات صحفية صاخبة في الأسابيع الأولى من أغسطس الجاري، كانت مفارقة عجيبة أن تجد من أيدوا "الديمقراطية العربية" منهم يومًا، ينقلبون فجأة -مع اقترابهم من كرسي الحكم- ويتحدثون بلغة "المصالح" ويهيمون غرامًا بالديكتاتوريين العرب، لأن "الديكتاتورية هي الحل" من وجهة نظرهم لتحقيق مصالحهم، وأن الحكام الديكتاتوريين العرب هم الأنسب لخدمة مصالح الغرب.

غالبية مرشحي الحزب الجمهوري الذين يتبنون الفكر المحافظ المتشدد، تحدثوا عن دور "الحكام العرب" صراحة في محاربة التيارات الإسلامية، وصمتوا عن انتهاكات حقوق الإنسان معتبرين أنها "أولوية ثانية".

بعضهم هاجم في الماضي ما اسموه "انقلاب المشير السيسي علي الرئيس المنتخب مرسي"، ثم عادوا الان ليشيدوا بـ"الرئيس السيسي" ويعتبرونه "المخلص" لورطة السياسية الأمريكية مع تنظيم داعش، مع أن مراكز أبحاث أمريكية (مثل كارنيجي) قالت لهم صراحة إن "داعش هي هدية قمع الحكام العرب للغرب"، باعتبار أن قمع التيار الإسلامي الوسطي حاليًّا، يدفع البعض لأحضان التطرف و"داعش".

كانوا يتخوفون من فكرة "إقامة جيش عربي من الدول السنية" على مصالحهم في السابق، ولكنهم الآن يطالبون علنًا بهذا الجيش السني العربي -ولكن تحت القيادة الأمريكية- لمحاربة داعش وتحقيق مصالحهم فقط، ويطلبون أن تقوده مصر والأردن والسعودية، ويقولون إن الرئيس المصري له دور في التصدي لـ "التطرف الإسلامي" بمنطقة الشرق الأوسط".

أبرز هؤلاء كان السيناتور الأمريكي (تيد كروز) الذي قال يوم 7 أغسطس الجاري: "نحن بحاجة إلى رئيس بنفس شجاعة الرئيس السيسي، عندما دعا للقضاء على المتطرفين الإسلاميين الذين يهددون العالم"، مع أنه هو هو الذي انتقد السيسي قبل عامين عندما قاد انقلابا في مصر وعزل الرئيس محمد مرسي.

ففي أغسطس 2013، قال تيد كروز في بيان له: "حين حدث انقلاب عسكري، لم تحترم (يقصد الإدارة الأمريكية) القانون ولم توقف المساعدات لمصر، وهو ما كان سيشجع -إن كان قد حدث- الحكومة الجديدة على التحول السريع تجاه الإصلاح الديمقراطي، ولكن القوات المسلحة المصرية استغلت هذا التراخي واعتبرته إذنًا بالإفلات من العقاب تجاه ما تفعله بجماعة الإخوان المسلمين التي تمارس -بدورها- العنف والجرائم الوحشية تجاه المسيحيين الأقباط".

و"كروز" بالمناسبة هو أول "جمهوري" يحظى بقبول لدى الجناح الأشد يمينية وتطرفًا في الحزب الجمهوري ومن ضمنهم "المحافظون المسيحيون"، و"التحرريون"، ومؤيدو حركة "حزب الشاي" المعادية لتيارات الإسلام السياسي. وقد أحرجه وبيّن نفاقه وتنقله من الدفاع عن الديمقراطية إلى الديكتاتورية، المحلل السياسي "جوش روجن" في (بلومبرج فيو) بتغريدة ساخرة قال فيها: "كروز يمتدح الرئيس السيسي، الذي يكره الإرهاب لدرجة أنه سجن كل المعارضة كإجراء احتياطي".

لم يكن "تيد كروز" وحده أبرز المنضمين لحزب "الازدواجية الديمقراطية" في الغرب حين يتعلق الامر برفض الديمقراطية للعرب وقبولها فقط للغربيين، ولكن انضم له كل مرشحي الرئاسة الأمريكية تقريبًا: "مارك روبيو" و"كريس كريستي"، و"سكوت واكر" و"مايك هوكابى" و"جيب بوش"، وجاءت كل أحاديثهم تصب في خانة الحديث عن دعمهم اللا محدود للحاكم العربي الذي يحارب "المتشددين الإسلاميين" وغض الطرف عن الحريات والديمقراطية في بلاد العرب.

لا تصدقوا أصحاب "الازدواجية الديمقراطية" الغربيين ولا من يهللون لهم في عالمنا العربي، حين يقولون إن الديمقراطية لا تصلح لنا، ويرون الحاكم الديكتاتور أفضل لبلادنا، بدعوي أنه سيقضي على التطرف، فهدفهم هو "تحقيق مصالحهم" ولو على أنقاض جثث الأبرياء في السجون العربية.

لا تكفروا بالديمقراطية - كمبدأ - فهناك في الغرب - من الشعوب - من يقتنعون بحق العرب والمسلمين وكل البشر فيها، ولكن نفاق الحكومات ومصالح لوبيات الأعمال والعالم الخفي هي التي تحرض علي وأد الديمقراطية في العالم العربي، لأسباب تاريخية ومصالح وصراع حضارات مستمر لن يتوقف إلا يوم القيامة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع