المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد جمال عرفة  Headshot

لو سمحت بلاش تشتمني على الانترنت؟

تم النشر: تم التحديث:

جربت تكتب مدونة أو بوست أو تغريدة عكس التيار أو ضد الريح، وشوفت رد فعل الجمهور عليها في هذه الأيام السوداء؟ أكيد استقبلت بعض الشتائم واللعنات والسباب وربما التهديد، ومهما حاولت تعمل "بلوك" لبعض من يتصفون بقلة الأدب، ستفاجأ بمن يخرج لك من طيات فيسبوك مثلا، لا ليخالف وجهة نظرك، وإنما ليشتمك أو يهددك كأنه يرضي غريزة أو حذاء يضعه فوق رأسه!

زمان كان المدونون والناشطون على مواقع التواصل، يختارون طريقة التدوين أو البوست أو التغريدات التي تشبه الصراخ للتعبير عن آرائهم سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو غيرها، بعدما ضجوا من القمع، أو للخشية من الحديث عن المشاكل الأسرية بحرية، أو كشف فضائح اجتماعية لا يجرؤون على كشفها علناً، وكان هذا يلقى احتراماً ولو بالاختلاف في الرأي.

لكن الآن بمجرد أن تكتب، تجد من يدخل مدونتك أو حسابك على الفيس أو تويتر ليشتمك بدعوى (الخلاف في الرأي) أو "الأخلاق" إن شئت الدقة، دون أن يكون له رأي!

تدخل لتقرأ رأي شخص ما فتجد نصف المعقبين يشتمون بعضهم بعضاً بألفاظ غير لائقة ويحولون صفحتك إلى ساحة للردح والسباب.
لا أعرف لماذا كل هذا الكره؟ ومن أين أتى؟ وما الداعي له؟، ولماذا على المدونات وحسابات مواقع التواصل الشخصية، وهي مساحات خاصة جداً مخصصة لكل إنسان بشري ليصرخ من خلالها ويقول ما يعن له دون حجر على رأيه؟

أعرف كثيرين بدأوا يغلقون حساباتهم على فيسبوك وتويتر أو يعتزلون مجال التدوين، بعدما وصل الحجر على الرأي وعدم قدرة بعضنا في العالم العربي على سماع أراء بعضنا الآخر أو التعليق عليها بنوع من الاحترام لا الشتائم والردح.

هؤلاء باتوا يرفضون المشاركة في الفضاء الإلكتروني بسبب "قلة الأدب" المتزايدة على الشبكة العنكبوتية، رغم أن هذا "الفضاء" أو العالم الافتراضي، نشأ أصلاً للتغلب على الإحباطات في الحياة السياسية والاجتماعية من خلال الكتابة في مدونة خاصة أو حساب ينشئه كل شاب وفتاة بحرية تامة ويخرج فيها ما يراه من آراء أو مشاعر!.

عندما نشأ مصطلح البلوجرز ‏(Blogers)‏- المدونين- بين قطاعات واسعة من مستخدمي شبكة الانترنت حول العالم خلال الحرب على العراق خاصة داخل الولايات المتحدة وأوروبا‏، ونال شهرته منذ ذلك الحين، أصبحت المدونات هي الرئة التي يتنفس منها المدون، والمجتمع العربي بحرية في ظل بحر أكاذيب إعلام السلطة.

كانت خواطرنا الشخصية وآراؤنا وتحليلاتنا أو الأخبار التي ننشرها نناقشها مع الآخرين ‏بحرية واحترام، وبعض هذه المواقع الشخصية تحولت تدريجيا- ووفق درجة نشاط صاحبه- إلى مستودع للقصص واليوميات والآراء ووجهات النظر والمناقشات والمناظرات بل وأحيانا كوكالات أنباء مستقلة تنشر الحقيقة بالصورة والفيديو وتنافس الإعلام الرسمي الذي يكذب في بعض تغطياته.

وغالباً ما كان البلوجر أو المدون أو الناشط، يضع اسماً وهمياً أو كوميدياً أو سياسياً ساخراً لحسابه، أو قد يسميه باسم يعبر عن حالات الفساد أو الإحباط أو التعبير السياسي أو الاجتماعي الذي يرغب في الفضفضة أو البوحة فيه عما يريد، مثل تسمية مدونة أو بلوجر باسم "خربانة يا جدعان" للتعبير عن رأي صاحبها في الأوضاع الاجتماعية أو السياسية، وتسمية سيدة لمدونتها باسم "أيوه خدامه" كي تعبر من خلالها بسخرية عن الأحوال البائسة للمرأة المتزوجة من رجال لا يفهمون معنى الزواج الحقيقي وترغب في التخلص من سطوته بالطلاق والعمل كخادمة تتقاضى أجراً وتشعر بكيانها.

وتفوق البلوجرز والنشطاء في المدونات أو حسابات مواقع التواصل، على كل وسائل الإعلام الأخرى وعلى الصحافة التي أنعكس دورها وأصبحت تنقل الآن من حسابات النشطاء، الذين وفروا ما هو أكثر من المعلومات، وأتاحوا‏ الفرصة لمن يرغب في التعبير عن رأيه والتنفيس عن المشاعر المتضاربة حول أزمة ما، وتميزوا عن الصحافة والتلفزيونات في سرعة النشر.

واستخدم العديد من مدوني مفكرات الانترنت (البلوجرز) المصريين عبارة "الكتابة عندي بديل للانتحار" للشاعر الراحل أمل دنقل كشعار دقيق ومعبر لكثير من مواقعهم، في إشارة إلى أهمية هذه المساحة العنكبوتية في التنفيس عما في أنفسهم بدل الاحباط والانتحار، سواء كانت مدونات أو حسابات سياسية للفضفضة بديلة للإحباط السياسي، أو مدونة اجتماعية لـ "التنفيس" أو الفضفضة" أو "الهرتلة" أو "طق حنك"- أي كلام يرغب الشخص في التعبير عنه بالكتابة لإخراج ما بداخله.

الطريف أنه ظهر أن المدونات أو الحسابات التي تتناول قضايا اجتماعية شخصية أكثر خطورة من السياسية لأنها تكشف باطن المجتمع العربي والمشكلات الخطيرة التي تواجه الأسرة خصوصاً ما يتعلق بالعلاقة الأسرية والخيانة والزواج العرفي وخلافه.

ولكن كل هذا ينهار الآن.. لا يمكنك أن تكتب بحرية، لأنك ستجد من يخرج لك من أسلاك الإنترنت، ليشتمك أو يسبك بأقذع الألفاظ بلا حجة ليقولها إلا قلة الأدب.. طب يا عم ما تروح تكتب اللي انت عايزه على مدونتك أو حسابك على الفيس وبلاش تشتمني علي حسابي وتفرض عليً رايك؟ لا مفيش فايدة.. لازم يحشر نفسه عندك ليثبت أنه صاحب رأي لو شتمك!

لو سمحت روح استحمى في مدونتك أو حسابك الخاص واشتم فيها براحتك وأظهر سوء أدبك هناك، ولكن ابتعد عن مدونتي وحسابي؟ لو سمحت المدونات والحسابات الإلكترونية اخترعوها عشان أفضفض فيها براحتي بدلاً من أن أطق وأموت من الإحباط والغضب، مش عشان تتجسس عليا أو تدخل تشت مني أو تهددني أو تستعرض سوء أدبك معي؟

من قال إن المدون العربي يمكنه الكتابة بحرية؟