المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الأسطة Headshot

رحلتي إلى فلسطين "الفرع 235"

تم النشر: تم التحديث:

سوريا دولة الممانعة، وقلعة الصمود والتصدي، متمثلة بآل الأسد، كما كان يسوقها الإعلام السوري، حملت همّ الفلسطينيين والقضية الفلسطينية على عاتقها، وادعت أنها الحاضنة الرئيسية للمقاومة.

فمن شدة ولع الأسديين بفلسطين أطلقوا اسم هذا البلد الرائع على أبشع وأقسى وأخطر الفروع الأمنية في سوريا، حيث لا يوجد سوري لا يعلم ما هو الفرع 235 "فرع فلسطين".. لا أدري ربما هي سياسة ممنهجة من قبل السلطات البعثية بربط اسم فلسطين مع الفرع 235 لخلق حالة من الفوبيا اللاإرادية لدى السوريين، فبذكر اسم فلسطين لدى أي عربي يتذكر آلام الشعب الفلسطيني وأرض فلسطين المحتلة، بينما عندما يُذكر اسمها عندنا في سوريا فلا نتذكر إلا الندبات التي على أجسادنا والإهانات المكنونة في دواخلنا من السجانين في ذلك الفرع سيئ الذكر.

بعد حوالي ثلاثة أشهر من انطلاق ثورة الكرامة في سوريا وبعد حوالي شهرين من أول استدعاء لي إلى فرع أمن في مدينة حماة، وتحديداً في شهر يونيو/حزيران من العام 2011، وأثناء عودتي من مدينة طرابلس اللبنانية؛ حيث أدرس، إلى سوريا في الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم المشؤوم عند وصولي إلى الحدود السورية التي لم أكن أعلم أن حرس الحدود ينتظرونني كما ينتظرون الكثيرين من أبناء سوريا الأحرار بفارغ الصبر، وأن تلك الليلة ربما قد تكون الأخيرة التي أرى فيها نجوم السماء وضوء القمر في ليلة صيفية جميلة على أنغام السيدة أم كلثوم، وهي تغني الأطلال، مطلقةً من حنجرتها الذهبية قائلة: أعطني حريتي أطلق يديَ إنني أعطيت ما استبقيت شيئا.

بعد أن خرجت من لبنان رسمياً، توجه السائق باتجاه الحدود السورية نقطة "الدبوسية" وعند أول "سم" من الأراضي السورية هناك سياج حديدي يشقه باب المعبر، وبعد السياج بحوالي 50 سم يوجد كابينة حرس الحدود وموظف الأمن العسكري، أوقف السائق السيارة وأطل الموظف الأمني من شباكها مبتسماً ابتسامة صفراء، لا بل أظنها ابتسامة سوداء كقلوبهم المتيبسة، وقال لنا: أعطوني الهويات الشخصية.

أخذ الهويات ودخل إلى الكابينة ليقوم "بتفييش" الأسماء على الكمبيوتر، وبالفعل عاد وعلى وجهه ابتسامة أسود من التي قبلها، ونظر إليّ مبتسماً ابتسامة الذئب الذي وجد فريسته، وقال: تفضل شوي، وقال للسائق: اذهب، فأخبرت السائق أن ينتظرني، فقال له: اذهب هو سيبقى هنا بعض الوقت، سألته: ولمَ؟ قال: لا شيء إنما هناك تشابه أسماء.. وهنا بدأت المأساة.

أخذني إلى سجن عبارة عن غرفة واحدة تفوح منها رائحة كل شيء غير آدمي، جردني من كل شيء من كتبي ومحاضراتي التي كانت بحوزتي، من دخاني وحتى من حزام بنطالي، وربطات حذائي، لم يتم التحقيق معي أبداً ولم يُسمح لأحد بالرد على تساؤلاتي، طلبت منهم هاتفاً لأخبر أهلي حتى لا يقلقوا، فلم يجب أحد.

تمددت على لوح خشبي أنا والجرذان والصراصير التي شاركتني الغرفة، حتى غالبني النعاس ونمت، وعند الساعة السابعة صباحاً كما عرفت لاحقاً، فتحوا الباب وأخرجوني إلى رئيس مفرزة الأمن العسكري؛ حيث أخذوني إلى مكتبه، وقال لي: لا تخف هناك تشابه أسماء فقط، ونود أن نتأكد، لكني كنت مدركاِ أن الأمر أكبر من تشابه أسماء، وجدت على الطاولة أشيائي الخاصة أو كما يسمونها الأمانات "الهاتف، المحفظة"، وبجانبها رسالة مختومة مكتوب عليها: يسلم إلى الفرع باليد، فعرفت أنها بداية النهاية.

أتى أحد العناصر ووضع يديّ إلى ظهري، ووضع الأصفاد ووضعوني في سيارة على يميني عنصر أمن وعلى يساري عنصر أمن يحملون الأسلحة، فظننت أني مجرم من الدرجة الأولى حتى وضعوا كل هذه الحراسة لي.

تم نقلي من الحدود السورية اللبنانية إلى مدينة حمص، وتحديداً إلى فرع الأمن العسكري في حمص، هناك دخلت إلى الفرع ونزلت 16 درجة تحت الأرض، وأول شيء أشاهده حوالي 15 معتقلاً معصوبي الأيدي والعينين ينتظرون دورهم في التحقيق، وبدأت حفلة الاستقبال الصاخبة بأن أمرني المساعد الجلاد بأن أتعرى من كل شيء ليفتشني، ولك أن تتخيل إن تأخرت عن خلع ملابسك وقد انتهى من العد إلى ثلاثة ما سيحصل، سيجتمع فوقك كل جلادي الفرع عليك بأقدامهم وعصيهم وسياطهم، للعلم كل فرع تدخل عليه بسوريا هناك حفلة استقبال مشابهة قد تختلف فيها وسائل التعذيب.

بعد انتهاء حفلة الاستقبال أوقفوني على الحائط بانتظار أن يأتي دوري في التحقيق إلى جانب المعتقلين الآخرين، حالي كحالهم مكبل اليدين ومعصوب العينين، حوالي ست ساعات، لكن بعد مضي الساعة الثالثة بدأ المعتقلون حولي بالتساقط أرضاً من التعب والإرهاق، ومن يغمى عليه يحاول الجلادون إعادته لوعيه بأقدامهم وكهربائهم، فالويل كل الويل لمن يسقط أرضاً، وفوق كل ذلك نسمع من يدخل إلى التحقيق كيف يتم تعذيبه وضربه ولا نملك إلا الدعاء له ونحن نسمع أنينه في الداخل.

حالفني الحظ وخرج المحقق إلينا وبدأ بالشتم والسباب ونادى على السجانين أن يعيدوا الحيوانات إلى حظائرهم، في إشارة منه إلى أن يعيدونا إلى السجون، أدخلونا إلى الزنازين وعددها 22 زنزانة منفردة، مساحة الواحدة تقريباً لا تتجاوز المتر المربع، وهناك تعرفت إلى المعتقلين وتهمهم المضحكة المُبكية، وكيف تم اعتقالهم، وكان من بينهم طفل لم يتجاوز عمره 12 سنة تجرع من العذاب ما تجرعه الكبار، فهناك في سجون البعثيين لا يشفع لك عمرك شيخاً أم صبياً، سقيماً أم معافى، فكلنا في نصيبنا من التعذيب سواسية، وبقيت هناك حتى منتصف الليل نادوا على ستة معتقلين وأنا سابعهم، تعجب المعتقلون البقية لماذا نحن أرقام وهؤلاء لهم أسماء! لنكتشف لاحقاً أننا عبارة عن معتقلين ترانزيت.

تم نقلي يومها إلى فرع الشرطة العسكرية في مدينة حمص، وهناك أيضاً حفلة الاستقبال المعتادة التي رأينا فيها كافة تلافيف أحذية العناصر والضباط المناوبين، وأخذونا منحني الرؤوس إلى غرفة كان فيها اثنان من المعتقلين قبلنا تبدو عليهما آثار تعذيب وحشي وأشلاء لحمهما تظهر من خلال ملابسهما المدماة، وقالوا لنا أن لا نتكلم معهم وإلا ذقنا ما ذاقوه، ومن ثم دخل علينا "مساعد أول" ليتأكد من أسمائنا ويقوم بجلد كل شخص بعد أن يقول اسمه أربع جلدات بالكبل الرباعي.

بعد حفلة الاستقبال والتأكد من الأسماء بحوالي 4 ساعات تم نقلنا مع المعتقلين الاثنين بسيارة صغيرة فوق بعضنا البعض إلى سجن يدعى "سجن البالونة".

وهناك قاموا بتعريتنا من ملابسنا للتفتيش، وبعد أن فتشونا وضعونا أمام الجدران كلنا، وأمرونا أن نقف على أطراف أصابعنا، والحارس الذي يتلذذ بتعذيبنا ونحن نتحرك كالسنبلة التي تحركها الرياح كلما فقد أحدنا توازنه قام برفسه على ظهره بقوة حتى يرتطم وجهه بالجدار بكل عنف.

بعد حفلة التعذيب بحوالي خمس ساعات أودعوني بسجن وأتوا باثنين من المعتقلين أمام سجني؛ حيث رأيتهم من خلال حفرة بالباب لا تتجاوز سم كيف يقومون بتعذيبهما بسكب الماء البارد عليهما ويقومون بتعريضهما للكهرباء حتى أغمي على أحدهما وأخذوه، والسجان يصرخ سيأتي الدور عليكم جميعاً، ولك أن تتخيل وأنت تنتظر أن يأتي دورك لتذوق ما يذوقه أبناء جلدتك من العذاب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.