المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مضر أحميّد Headshot

الموصل: عِندما تُقتَل وحيدًا

تم النشر: تم التحديث:

لا يكاد يتفق اثنان على تسمية الجهة الأكثر تضررًا من دخول تنظيم داعش الى العراق واحتلاله مساحات شاسعة من أراضي هذا البلد. وربما قد يستغرب القارئ من ذلك العرض، ويسأل: أليس المتضرر الأكبر في العراق هو شعب العراق؟!

والجواب، كلا. فمنذ الغزو الأميركي للعراق، وتفكك بنية الدولة وتحلل مؤسساتها الى محاصصات حزبية تتخبى خلف المسميّات الدينية والمذهبية والقومية، لم يعد لنسيج الشعب العراقي وجود، على صعيد الفئات الحاكمة ومؤيديها بأقلّ تقدير. وعادت لتطفو إلى السطح الانتماءات الثانوية، التي لم يغب معظمها، كالمذهب، والقومية، والعشيرة، وحتى العائلة في بعض الأحيان كبديل ضرورة ومخرج من يأس المواطن بالدولة العراقية الجديدة ومنظومتها المتهالكة. ولكلّ ذلك، فإنّ الحديث عن فئة بعينها، وتسميتها، لم يعد غريبًا عن الشارع العراقي؛ بل إنّ من يتجاوز حديث الفئة إلى حديث الشعب الواحد مباشرة لن يستغرب وصفه باللعب على الذقون، والترويج الانتخابي حتى وإن لم يكن سياسيًّا.

إنّ إحدى أخطر مخلفات الحكومة العراقية السابقة، والتي قادها المالكي بديكتاتورية رعناء، هي سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مدن عراقية كبرى وحيوية كالموصل، والرمادي، وتكريت. ولكن، ما غاب عن أنظار الكثير من المتابعين والمهتمّين، هي التداعيّات المترتّبة على تبريرات حكومة المالكي لإخفاقاتها في حماية المواطنين وما لحِقها من تأثير على النسيج الاجتماعي العراقي الذي لم يزل يحاول التماسك أمام أجندات الأحزاب السياسية المتناحرة، والساسة الفاسدين، ومصالح الدول الإقليمية منذ عقدٍ ونيّف. فقد عمَدت حكومة المالكي وآلتها الإعلامية إلى وصم المجتمع السُنّي العراقي بالداعشية والتعاون مع الإرهاب، ذلكّ أنّ المحافظات ذات الغالبية السُنيّة كانت قد خرجت في مظاهرات ضد حكومة المالكي وسياساتها التعسفيّة وفساد أساساتها الواضحة معالمه في شتى مدن العراق.

ولكي لا أبتعد عن النقطة الأساس، فمن حيثُ الضرر، كلّ العراقيين متضررون. فالمسيحيون والشيعة هُجروا وأُخذت بيوتهم وأموالهم وأصبحوا نازحين. والإيزيديون هُجّروا وشُرّدوا وسُبيّت نساؤهم. وهكذا حال أكثر الأقليّات في محافظة نينوى. وماذا عن العرَب السُنّة في المدينة؟ هنالك روايتان:

تقول الأولى، وهي رواية حكومة المالكي وأتباعها والمستفيدين من مثل تلك الرواية، إنّ كلّ من بَقي في محافظة نينوى ومدينة الموصل على وجه الخصوص، هم أتباع داعش.

وتلك الرواية لا يمكن تصديقها، لا لشيء إلا لعدد سكّان مدينة كالموصل. فالمدينة يقطنها، فضلاً عن النازحين منها، قرابة مليون ونصف إنسان . وتخيّلوا لو أنّ داعش التي تهاوت قوّات الأمن العراقية أمام مائتين من مسلحيها تمتلك ذلك العدد.

فيما تقول الرواية الثانية، وهذه رواية العقلاء المحايدين، إنّ جلّ من بقي في المدينة بقيَ فيها أسيرًا يشارك أبناء مدينته سجنهم الكبير. وتقولُ الرواية إنّ ما لا يقلّ عن الفين وخمسمائة مواطن، بمعدل ستة أشخاص في اليوم، من عرب المدينة السُنّة قُتلوا على أيدي عناصر داعش منذ احتلال التنظيم للمدينة، وهذه الأرقام التي أعلن عنها التنظيم فقط.

قَد يظنّ البعض أنّني متحيّز لجهة دون أخرى. ولكن من قرأ كتاب "تفكيك داعش"، لاحظَ كم خصّصت، وإن على عجل، للكلام عمّا حدث للأقليّات في مدينة نينوى، وعمّا لاقوه باسم الإسلام. وذلك جزء يسير مما قاساه المثقفون والعامّة، على حدّ سواء، من سكّان المدينة في سبيل الدفاع عن اصدقائهم وجيرانهم من الأقليات، ولأجل مساهمتهم في تدويل قضايا تلك الأقليّات ومحاولة إصلاح بعض ما أفسدته يد الإرهاب.

لستُ هنا في معرض سرد المآثر والبطولات لتلقي المديح والإعجاب. أنا هنا أكتب عن معاناة مدينة كاملة بأهلها، مدينة لم يعد أحدٌ يسمع لأهلها لأنّ من مصلحته الإمعان في وصمهم وتحقيق المكاسب على حساب أرواحهم.

حاولتُ كثيرًا أن أعيش مشاعر الآلاف من أبناء مدينة الموصل الذين قتلهم تنظيم داعش المجرم. لم أُفلِح؛ حتى أنارت ومضةٌ خيالي، فتخيلوا معي: تخيلوا أنكم يُسار بكم كلٌّ لوحده في ممرٍّ طويل ينتهي حيث يقف الجلّاد يحدّ سيّفه أو يلمّع بندقيّته. تخيّلوا أنّ على جانبَي الممر يقف أُناسٌ يتكلمونَ إلى الكاميرات ومذيعي القنوات عن مآسيّهم ومصائبهم وعمّا حلّ بهم وبعائلاتهم. تخيّلوا أنّ أولئك الناس يرونكم بأطراف عيونهم ويرونَ أنكم تنظرون إليهم، وتنتظرون منهم كلمة. تخيّلوا أنّهم يشيحون بأنظارهم عنكم ليركزوا مع المذيع. وتخيّلوا يا أحبائي أنّ أخطر التهم التي ستموتون قريبًا لأجلها أنّكم دافعتم عن أولئك الواقفين على جانبَي الممر.

هذا ما يدور في خلد المواطن الموصلّي الأسير. هو لا يلوم الواقفين المتفرجين المتجاهلين على محاولتهم إيصال مظالمهم، إنّه حزين أنّه قد بُحّ صوته لأجلهم، وها هم قد تناسَوا مظلمته وأغفلوها.

أمّا اللوم الأكبر فيقع على عاتق منابر الصحافة والإعلام؛ فهي، كأيّ عمل آخر، تنقلُ غالبًا ما يحبّ المتابع ويشتهي لترفع أرقام المتابعات ولو على حساب الحقيقة، ولو على حساب الأرواح. وربما ينتظر المجتمعان العربي والدولي أن يصبح سكّان المدينة أقليّة ليظهروا بمظهر الأبطال حين إنقاذهم. ربما.. ربما لو بذلنا جهدًا أكبر، ووقتًا أكثر لاستطعنا كسر بوتقة التحزب والطائفية التي تنحبس فيها روح التسامح في المنطقة. ويبقى الأمل في استفاقة عقلانية أخلاقية حاضرًا كأمل ذلك الذي يُساق إلى الموت وهو ينتظر أن يذكرَ أحد المتفرجين اسمه.

أمّا جواب السؤال مختصرًا فهو: الشَعبُ العراقيُّ كله يُقتل، ولكنّ مجلس العزاء لا يُقام للجميع.