المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

معتز خالد حسين Headshot

ماذا فعلوا بنا؟ ماذا صنعوا منا؟

تم النشر: تم التحديث:

من الأشياء الكريهة في كثير من المصريين، التي تسببت بها منظومة التعليم العام والجامعي، هي إنتاجها لأشخاص يفتقرون للخيال الخصب، كما يفتقرون للقدرة على تفسير الكلام، كما يفتقرون لطرق البحث والمطالعة.

هؤلاء الذين يفتقرون للخيال، هم ممن قُتلَ خيالهم على يدِ منظومة المدرسة التي بالت مع الزمن، كما أحياناً يُقتل خيالهم على يدِ منظومة الكلية، هم ممن حُرِموا من الطاقات الهائلة لخيالهم؛ في تكوين عالمٍ آخر يعيشون ويحلقون فيه.

المدرسة حاصرت خيالهم، وعزلته، وقتلته حتى يصدق الطالب ما يُقدم له في الفصل، فلا يفكر بعيداً عن خيال أستاذه أو خيال واضع الكتاب المدرسي، وألا يفكر الطالب في شكلٍ جديد للعالم؛ شكلٌ جاء به من أعماق عقله، شكلٌ لا يريدهُ واضع الكتاب أو النظام.

ولك أن تتساءل الآن: كيف تقتل خيال شخص؟
تقتل خيال طفل حينما يأتيكَ فرحاً قائلاً: لقد جئت اليوم بقصة "رحلة في الزمان والمكان" سأنهيها في خلال هذا الأسبوع، لأعيدها وآتي بأخرى.

فتقول له: أولى لك أن تقرأ قصة اللغة العربية في المنهج الدراسي، لا تضيع وقتك، فلن يسألك في الامتحانِ عن رحلة بالزمان والمكان، بل سيسألُكَ عن قصة منهجك، أعِدها غداً ولا تضيع الوقت.

هكذا تقتل خيال الطفل حينما تعلمه من صغرهِ أن القراءة في دون المنهج الدراسي تضيعٌ للوقتِ، حينما تقلل من شأن كتابات الأطفال والطلاب في التعبير ولا تعطي لكتاباتهم بالاً، ثم تقول لهم إن كتاباتكم لا شأن ولا أهمية لها، فماذا تتوقع من صنعكَ هذا غير تدمير خيالهم، تخيل أن لديك طالباً لديه موهبةٌ، وأتت إلى باله فكرة قصةٍ ما، وأتيت أنت بكل سذاجة وعدم فهمٍ، وأنانية منك، تقول له، أو حتى تشعره أن قصته التي كان قد كتبها، أو التي لم يكن كتبها بعد، قصةٌ لا شأن لها، فماذا تنتظر منه سوى أنه لن يكتبها، إلا مَن رحمَ ربي من النوابغ وأصحاب الهمم الجبارة.

ولا تنسوا أسلوب التلقين؛ فلهُ دورٌ عظيم في ذلك؛ يعلمون أطفالنا (ردّدوا من بعدي) وبالطبع حينما يرددون فلا يزيدون من عندهم.
أما فقراء القدرة على تفسير الكلام؛ فمدارسنا لم يعلمونا كيف نناقش، بل لم يعلمونا من الأساس كيف نفهمُ ما يُقال لنا؛ قد تقول لشخصٍ ما تناقشونه وتحاورونه: فلنفرض أني سأفعل.

فيقاطعكَ: لا يمكنك فعل هذا، هذا مستحيل!
فتقول: نعم أعلم ولكني قلتُ فلنفرض، أي أنه فرض حتى يمكننا أن نكمل نقاشنا.
فيقول: لا هذا مستحيل بتاتاً..
فتقول: هذا افتراضٌ يا صديق، لم أقل إني فعلت، أو سأفعل!

نرى أشخاصاً مثل هذا كثير لا يستطيعون تفسير كثير من الألفاظ التفسير الصحيح.

أما فقراء المطالعة، كانوا دائماً يعاقبوننا بإنقاص درجاتنا، إذا خرجنا عن كتاب الوزارة، فصرنا تلقائياً لا نخرج عن الكتاب، فصرنا شعوب الكتاب الواحد، والمصدر الواحد، لا نؤمن بغير ما فيه، فلا نرى ولا ننظر إلى غيره.

قد تكون أيها القارئ أحد هؤلاء الفقراء، وقد لا تكون، قد أكون أنا أحدهم، ولا أكون.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.