المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

معتز علي محمد علي Headshot

المصالحة التركية الإسرائيلية.. كيف؟ ولماذا؟

تم النشر: تم التحديث:

لماذا سارعت إسرائيل إلى المصالحة مع تركيا؟ ولِمَ قبلت حكومة تركيا ذات التوجه الإسلامي بالمصالحة مع الكيان الصهيوني؟ وكيف أسهمت اكتشافات الغاز المصرية في إتمام تلك المصالحة؟

استقبلت الجماهير العربية والإسلامية تلك المصالحة بخيبة أمل وصدمة شديدتين، وصبَّ المحللون السياسيون غضبهم على أردوغان واتهموه بالعمالة والخيانة، رغم أن المتتبع للسياسة الخارجية التركية في فترة حكم العدالة والتنمية يلمس تناسق المواقف بخصوص دعم كل ما هو إسلامي في الداخل التركي والخارج الإقليمي، إلى حد خسارة العديد من العلاقات مع عدة دول إقليمية.

تهدف السياسة الخارجية لتركيا إلى استخدام نفوذها الإقليمي وقوتها الاقتصادية في خدمة القضايا الإسلامية الشائكة، مثل القضية الفلسطينية، كما تهدف سياستها الاقتصادية إلى استغلال عبقرية الموقع الجغرافي كممر لعبور الغاز إلى أوروبا، مما يعزز مكانة تركيا إقليمياً ودولياً، وتدخل المصالحة التركية - الإسرائيلية كعنصر مهم في هذه المعادلة، كما يوضح هذا المقال.

نشأة العلاقات التركية - الإسرائيلية

شكَّلت القضية القبرصية محور التقارب الرئيسي بين البلدين خلال الخمسينيات، وتم التوقيع على معاهدة للتعاون الأمني والاستخباراتي بينهما عام 1958، مقابل دعم إسرائيل لتركيا في القضية القبرصية ضد اليونان؛ حيث دعمت تركيا حقوق القبارصة الأتراك المسلمين في حقوقهم الدستورية في المشاركة في حكم وإدارة جزيرتهم بعد محاولة تهميش دورهم من قِبل القبارصة اليونانيين الأرثوذكس، كما دعمتهم في محاولة الانقلاب العسكري عام 1974، وتدخلت عسكرياً لإنقاذهم، ويعتبر نجم الدين أربكان صاحب قرار التدخل العسكري، عندما كان نائباً لرئيس الوزراء.

لكن الدعم الإسرائيلي للقبارصة اليونانيين إبان أزمة عام 1964 ضد القبارصة الأتراك أدَّى إلى غضب الحكومة التركية وتوترت العلاقات بين الجانبين.

عقب مجيء حكومة العدالة والتنمية اعتبرت القضية الفلسطينية العنصر الأهم في تشكيل تلك العلاقة؛ حيث اتسمت العلاقات بالحدة إلى حد اتهام أردوغان لإسرائيل بأنها تمارس إرهاب الدولة؛ نظراً لقيام إسرائيل باغتيال زعماء المقاومة الفلسطينية، واستمر التدهور في العلاقات بعد حرب غزة 2008، وردَّ الجانب التركي بحرمان إسرائيل من المشاركة في مناورة لحلف الناتو تسمى "نسر الأناضول" عام 2009.

وبعد حادث الاعتداء على السفينة مرمرة عام 2010 تدهورت العلاقات بشكل كبير، ورفضت إسرائيل الاعتذار أو دفع التعويضات، وهو ما ردَّ عليه الجانب التركي بحرمان الطائرات الإسرائيلية من المرور فوق أراضيها وإيقاف كل عقود شراء طائرات بدون طيار، وجمّدت 16 اتفاقية عسكرية مع الجانب الإسرائيلي.

الغاز الإسرائيلي وتطور العلاقات:

مثل اكتشاف الغاز في الساحل الإسرائيلي في حقلَي تمار ولفيتان فرصة جيدة لإسرائيل للاكتفاء الذاتي من الغاز، وإمكانية التصدير لأوروبا عبر مصر، عن طريق محطات الإسالة في دمياط وإدكو، وتعذر ذلك بسبب اكتشافات الغاز المصرية مؤخراً التي ستتيح لمصر فرصة إعادة استخدام محطات الإسالة المتوقفة، ومن ثَم التصدير إلى أوروبا.

بعد فشل محاولة استخدام محطات الإسالة المصرية في التصدير، تم طرح فكرة التصدير لأوروبا عبر تركيا كأهم المحاور البديلة المطروحة، وأرخصها تكلفة مقارنة بخط الغاز إلى قبرص واليونان الأطول والأكثر تكلفة لمروره بالمياه العميقة لمسافة كبيرة، وفي ظل الجمود مع الجانب التركي تصبح عملية تصدير الغاز إلى أوروبا عبر تركيا مسألة شبه معدومة.

المباحثات التركية - الإسرائيلية:

في ظل انسداد الأفق في إيجاد حل لمشكلة تصدير الغاز لدى الجانب الإسرائيلي وبعد انهيار البورصة الإسرائيلية وخسارتها 6 مليارات شيكل في يوم واحد نتيجة تبدد الآمال المتعلقة بإنتاج وتصدير الغاز، اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى تسريع وتيرة المفاوضات مع الجانب التركي وتقديم بعض التنازلات.

على الجانب الآخر، لعبت فكرة دعم المقاومة في غزة دوراً كبيراً في تسريع هذه المباحثات التي أخذت منعطفاً مهماً عقب زيارة رئيس الشؤون الدينية التركي محمد جوماز إلى قطاع غزة، ولقائه مع إسماعيل هنية لمحاولة نقل مظاهر الأزمة الإنسانية في القطاع إلى القيادة التركية عن قرب.

حققت إسرائيل معظم مطالب أردوغان المتعلقة بكسر الحصار جزئياً عن قطاع غزة، واستئناف جهود إعادة الإعمار، والسماح بإنشاء مستشفى تركي ومحطة لتنقية المياه ومحطة كهرباء وإدخال المساعدات عبر ميناء أسدود، مقابل إنشاء خط غاز إلى أوروبا يمر بتركيا، واستئناف التعاون العسكري عن طريق رفع الفيتو التركي في حلف الناتو عن مشاركة إسرائيل في المناورات.

مكاسب حماس:

حققت حماس مكاسب سياسية واجتماعية واقتصادية كبيرة في هذه الاتفاقية؛ نظراً لأن الحصار الخانق الذي يعصف بقطاع غزة يوشك أن يقود لانهيار كامل في مرافق القطاع، مما يعزز من استمرارها في إدارة القطاع ويمكن الشعب الفلسطيني من الصمود.

مكاسب تركية أخرى:

سطرت المصالحة التركية - الإسرائيلية الفصل الأخير في السيطرة المصرية على القضية الفلسطينية؛ لأنها أدخلت أطرافاً إقليمية في اللعبة، وحيَّدت الدور المصري الذي أصبح هامشياً تقريباً في كل الملفات ونقل أوراق اللعبة إلى إسطنبول، وأصبح الحصار المصري لقطاع غزة بدون قيمة سياسية.

كما تهدف تلك المصالحة إلى تحييد الدور الإسرائيلي في القضية الكردية والتوقف عن مساعدة الانفصاليين الأكراد.

ويعد الإعلان عن المصالحة التركية مع كل من روسيا وإسرائيل في أواخر يونيو/حزيران 2016 انتصاراً للدبلوماسية التركية؛ حيث عمل على أن تكون تركيا ممراً لأنابيب نقل الغاز من روسيا وإسرائيل وأذربيجان إلى أوروبا، وأصبحت تملك أوراقاً تفاوضية مهمة في علاقاتها مع الجانب الأوروبي، مما يجعل السياسة التركية الخارجية مستقلة وغير خاضعة للإملاءات الأوروبية.

نتمنى أن يكون هذا الطرح قد ساهم في إزالة الغموض عن بعض النقاط المتعلقة بتلك المصالحة، وأوضح بعض الأمور التي لم يتناولها الإعلام خلال مناقشته لتلك القضية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.