المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

معتز أبو الحجاج  Headshot

ما قاله جوليو لمرتضى منصور عن يناير!

تم النشر: تم التحديث:

كأي طفل مصري علَّمته الأسوار العالية لمدرسته والتي تشبه المعتقل ولكنه صرح علمي، وكلما زاد ادعاؤه ارتفعت أسواره طوباً وإسمنتاً وقطعاً من زجاجٍ مكسور وأسلاكٍ شائكة، كان جرس الصرفة بالنسبة لنا إعلاناً عن استعادة حريةٍ سُرقت منا لـ8 ساعات.

لكن بخلاف أقراننا في سائر القطر المصري، كانت لنا في نهاية اليوم الدراسي متعٌ أخرى، بلدنا قبلة السُّيَّاح، ومدرستنا يفصلها خطوات عن سوقه السياحي، أطول ثاني سوق مغطى في العالم وأسوأها من حيث الطلة.

نتقافز بين المارة، نتحاور مع السياح، نسب البائعين ويسبونا، ونركل الحجارة بأحذية لو تعلم للمحاكم طريقاً لاختصمتنا، نتذكر أمهاتنا اللواتي لو عدنا إليهن بهذه الأحذية لقوَّمننا بأحزمة وعصيان لا تعرف الرحمة، ونضحك، نضحك كثيراً، ضحكة لا تعمل للغد حساب.

نحتل موقعاً إستراتيجيًّا كاشفاً من السوق، نراقب البائع، شابًّا أسمر نحيل، من هؤلاء الذين يسمون "أولاد البلد الجدعان"، لا يترك كائناً يتحرك إلا وأسمعه من قبح الأقوال شيئاً، تحرشاً أو تسفيهاً، لكن في علاقته بالأجانب كان له سياسة أخرى، ابتسامة عريضة تأخذ من وجهه النصف، وإشاراتٌ مضيافة، لكن عندما يستدير يتحول السائح لمغفل، وزوجته لقطعة لحم ينهش منها بعينيه ما استطاع.

هنا؛ في سوق أسوان السياحي، تعلمنا أن الأجنبي ضيفٌ إذا ما ظل ينظر إلى عينيك ويعطيك نقداً، حِلٌّ لك حينما يعطيك ظهره، ولهذه النظرة منابت وجذور وضحايا، كان آخرها وليس الأخير طالب الدراسات العليا الإيطالي "جوليو ريجيني".

تستطيع أن تسجن شعباً إذا ما أقنعته أن خارج حدوده شعوباً من الجواسيس

قبل انقلاب 1952 كان بمصر آلاف الأجانب، إحدى أقل الجاليات عدداً الجالية اليهودية، حيث بلغت 80 ألف يهودي، لم يعد لهم أثرٌ في مصر إلا الذكريات، وعشر عجائز -تقريباً- استبسلوا على سنوات التكوين والصبا والحب.

بعضهم كان من الأثرياء، وأغلبهم عانى -كما حدث لمعظم المصريين- الفقر والفساد، بل وبعضهم ناضل في سبيل حرية بلده واعتُقل كالمناضل المصري الشيوعي من أصل يهودي "شحاتة هارون".

"برسا كوموتسي" الكاتبة اليونانية، أكبر جالية في مصر حينها، تروي في كتاب لها صدر مؤخراً، تفاصيل عن معاناة أسرتها المتوسطة، ممزوجة بذكريات عن بلدها التي لم تعرف غيرها حتى منتصف الشباب، وأثر نجيب محفوظ الأديب المصري الحائز على نوبل على روحها، تَرجم فصلاً منه للعربية دكتور خالد رؤوف، ونشرته مجلة إبداع.. بعد قراءته تجد نفسك أمام سؤالٍ واحد.. إذن كانوا مثلنا فماذا حدث؟

عادة ما تنظر الشعوب الخارجة من الاحتلال حديثاً للآخر بعدائية، وتزيد هذه النظرة المنغلقة إذا ما تولى البلاد حكام عسكريون، فحينما يكون الآخر عدوًّا، فبالطبع لديه عملاء بالداخل طوال الوقت، ويصبح سيف العمالة مسلطًا على رقاب كل من يطالبون بالحرية، كان أول من فهم هذا القانون البكباشي جمال عبد الناصر، لعب عليه وربح، وسلمها لمن يليه ممهدة.

وكان السادات أول القافزين من المعسكر الشيوعي، انفتح على الغرب وإسرائيل وأميريكا باسم المنفعة، لكن كي تحكم شعباً لا بد أن يكون هناك آخر، ليكونوا هذه المرة عرباً، يتحدثون نفس لغتنا، يشبهوننا في جوانب كثيرة من الطبع والمزاج والتاريخ، لكن السياسة لا تعرف لأواصر الدم حرمة، أصبح الخليجيون "تيوس معها فلوس"، والفلسطينيون "خونة باعوا أرضهم للصهاينة"، تلقف الشعب المنهك من أعباء الحرب هذا الخطاب، وتغلغل فيه.

على الجانب الآخر كان لمرضى بارانويا الإسلام السياسي في مصر دورٌ في الأزمة، استبدلوا مصر من الخطاب بـ"الإسلام"، من ليس مسلماً فهو متآمر على الدين، بل من ليس ذكراً مسلماً عربيًّا سنيًّا عضواً في تنظيمات الإسلام السياسي هو عدوٌّ، فصار الغرب خزانة تحفظ أموال أثريائه لكنهم ملاحدة وصليبيون معاً، نستحلب منتجاته التكنولوجية الحديثة لكنها حضارة عريٍ، وساد الفصام.

جوليو ريجيني شابٌ قتله علمه وحبه لأوطاننا
في ذكرى ثورة 25 يناير من العام الحالي، اختُطف في ظروف غامضة شابٌ في أواخر العشرينات من عمره، ثم عُثر عليه مقتولاً على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، إلى هنا تبدو القصة إنسانية ومؤثرة، فور إعلانك لمواطنٍ ما أنه باحثٌ إيطالي ملتحق بالجامعة الأميركية، يَضَعُ على جثته علامات استفهام وشك، ما الذي جاء به إلى هنا؟ أليس من الجائز أن يكون جسوساً؟

في بلدٍ كمصر لا يعرف للبحث العملي نفعاً، وينظر بعدائية لكل أجنبي ما لم يلوِّحْ بالدولارات من بعيد، سيحيط جوليو وأمثاله نظرات مرتابة، لكن شيئاً آخر بدأ يظهر على السطح، آلاف من النشطاء دشنوا هاشتاغ "جوليو واحد مننا" أصبح الأكثر تداولاً بعد ساعات من ظهور جثمان الباحث الشاب، الذي كان جرمه أنه اجتهد وأحب ما يعمل، وشارك مصريون آخرون في وقفة الجالية الإيطالية أمام السفارة في مصر، علقت إحدى المشاركات على الحدث الأليم بلافتة مُرة رغم سخريتها، كتب عليها "بتقتلوا الأجانب ليه؟ إحنا كمصريين قصرنا معاكم في حاجة؟!".. فهمنا الدرس، الإنسان لا يساوي شيئاً أمام مبدأ المصلحة.

الأفوكاتو.. خُلق من العداوة وتربح بها
رغم كل الدلائل التي تؤكد أن نظامنا يدار من غرف المخابرات الغربية، ظل خطاب العداء مستمراً على المستوى الشعبي والرسمي، أتفه حدث يثيره، ومباراة كرة قدم تهدد بقطع العلاقة مع بلد شقيق كالجزائر، ونجل الرئيس الأكبر يتحول إلى بطل شعبي بعد مداخلة تلفزيونية لبرنامج على الفضائيات قال فيها "أنا ماليش دعوة ببابا وأخويا، مصر اتهانت ومش هيهدى لنا بال قبل ما نرجع حقنا".. ألم يهن بابا مصر يا علاء عندما حكم البلاد بالإرهاب وحكم عليها بالافقار؟!

في العام الذي حدث فيه انقلاب 1952 كانت مصر على موعد مع رجل، سوف يصبح رمزاً لفساد عصر دام 60 عاماً، مرتضى منصور، محامٍ لا يعرف عن القانون أكثر مما يعرف عن أسرار الأسِرَّة، كان ابناً لنظام قومي ناصري علماني نظرياً على الأقل، ظل فيه وكيل نيابة ثم قاضياً، ثم كان أول من مزق ذلك الثوب، وقفز في قارب أموال الإسلام السياسي، وأصبح بعد استقالة قدمها على خلفية إهانة عادل إمام للقضاء في مسرحية "شاهد ما شافش حاجة" مستشاراً قانونيًّا لشركات الريان، الرأسمالي الإسلامي الشهير، وصاحب قضية الاستيلاء على أموال المودعين الشهيرة في الثمانينيات، المال لا يعرف لغة الأيديولوجيات والمبادئ.

المخرج الراحل رأفت الميهي رصد هذه الظاهرة، وقدمها في فيلم كوميدي بطولة عادل إمام أيضاً بعنوان "الأفوكاتو"، نحن في زمن حسن سبانخ، الذي يهدد القضاة والموكلين، ويدافع عن تاجر المخدرات وعناصر النظام المغضوب عليهم، يحاول أن ينال أكثر، لكنه يسقط في النهاية كغيره ممن وثقوا في قانون الفهلوة.

لكن غيره لم يسقط، المستشار مرتضى منصور صار رئيس لجنة حقوق الإنسان في ثاني برلمان بعد الثورة، وفي أول جلسة انعقاد للبرلمان، وكعادته دوماً مُحبًّا للأضواء، رفض أن يحلف على الدستور بحجة أنه غير معترف بديباجته التي تفخر بثورة 25 يناير، وعندما هدَّأ زملاؤه من روعه بعد قسمه بالطلاق "عليا الطلاق ما هي ثورة" حلف أخيراً، ولكن بطريقة أهانت القسم والدستور والمجلس، وكشف زيف تلك المسرحية.

جوليو ريجيني مخاطباً مرتضى
قبل شهرين من اختفائه، كتب جوليو لجريدة "المانيفيستو" الإيطالية مقالاً عن النقابات العمالية في مصر، معنوناً بـ"في مصر: صحوة جديدة للنقابات المستقلة"، تحدث فيه عن القمع الواقع على الشعب المصري، من قبل سلطة غاشمة، وكيف تناوئ النقابات تلك السلطة بما استطاعت من قوة،
ويا للمصادفة! يختطف بعد نشر المقال بشهرين وتُوجد جثته وبها آثار تعذيب وصعق في عضوه الذكري، وعلى العالم ألا يسيء بالنظام المصري النية، شرطتنا لا تعامل المواطنين هكذا فضلاً عن الضيوف!

لا أزعم أن كل ما جاء من الغرب حسن، تتعامل أنظمتهم التي ترفع شعار حقوق الإنسان مع أنظمتنا المستبدة، وآثار عدوانهم على أراضينا لم يدمل بعد، ولكن حينما كان بوش ينهش جسد العراق الهزيل، كانت راشيل كوري الناشطة الأميركية تحت جرافات العدو الصهيوني جزاءً لها لاعتراضها على هدم منازل الفلسطنيين، وعندما أدارت أنظمتنا العربية والإسلامية ظهورها لحصار غزة، اخترق أسطول الحرية لغزة المياه الإقليمية الإسرائيلية بشجاعة يعجز عنها المتشدقون بالوطنية، كان على متنها 600 ناشط من 37 دولة أغلبهم دول غير إسلامية أو عربية، باسم الانسانية عرَّضوا حياتهم للخطر ومنهم من قتل.

ثورة يناير التي توصم بالعمالة الآن من النظام القديم، والتي لا يعترف بها مرتضى منصور تغلغلت وغيرت خطاباً ساد لعقود، وإن كان تغيراً بطيئاً، لكن على كافة الأصعدة، وأهمها نظرتنا للآخر، فلتذهب الأموال والسلطة للجحيم، الناس للناس، والعالم أرحب من أن يقسم لمعسكرات، والإنسان أعقد من أن يسير وعقائده نصب عينيه.

الثورة غيرت وما زالت تغير، يعترف من يعترف وينكر من ينكر، أو كما قال جوليو ريجيني في مقاله عنها: "وجهت طعنات سديدة في قلب التحول الليبرالي الجديد للبلاد".

أو بأسلوبٍ آخر؛ قد نخسر معركة، ولكننا سنكسب الحرب يا مرتضى سبانخ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.