المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Miguel Urban Headshot

أوروبا تواجه أكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية.. إلى متى ستلقي باللائمة على الآخرين؟

تم النشر: تم التحديث:

لم تبدأ الحربُ في سوريا البارحة، وليس بجديد أمر جموع اللاجئين المتدفقة إلى أوروبا، هربًا من العنف والقنابل والرصاص، وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). وبالتأكيد فإن بقاء مليوني لاجئ بشكل دائم في تركيا ولبنان ليس ممكنًا. كان يجب تخمين وجهتهم القادمة: أوروبا.

لكن الإتحاد الأوروبي شاهد المشكلة من مقعد المتفرج، كما لو كانت خارج نطاق اهتماماته. حتّى الأنباء المتواترة من بلاد مثل البوسنة، مقدونيا، وصربيا، ومنظمات حقوق الإنسان في البلقان لم تنجح في لفت انتباه الإتحاد الأوروبي إلى الحقيقة؛ حقيقة أن عدد اللاجئين الذين يعبرون الحدود إلى البلاد الأوروبية في تزايد مستمر. وبالطبع، لم ينتبه الإتحاد حتى وصل اللاجئون.

بعد وصولهم إلى اليونان، كان على اللاجئين عبور أرض البلقان، للوصول إلى الأسلاك الشائكة - الممتدة بطول 175 كيلومتر - تفصل الحدود المجرية مع صربيا، أو للتخييم أمام محطّة القطار الرئيسية في بودابست.

مؤخرًا ذهبت إلى المحطّة الأولى من رحلة البلقان. يخرج اللاجئون من اليونان إلى بلدة جيفيجليا الحدودية بمقدونيا، بعد سير بمحاذاة شريط القطار. حتّى بضعة أسابيع، كنت ترى عشرة أشخاص يعبرون ذلك الطريق في اليوم. أما الآن، ارتفع العدد إلى أكثر من ثلاثة آلاف يوميًا، مخيّم اللاجئين المؤقت، المجاور لمحطة القطار، أصبح سريعًا هو الأكبر في البلاد.

هناك تتناثر بعض الخيام والمبانِ البدائية لتوفير الظلّ، وأماكن للراحة خلال الأربع أو الخمس ساعات التي يقضيها اللاجئون هناك. بنى ذلك المخيّم مفوّضية الولايات المتحدة لشئون اللاجئين (UNHCR)، بالتعاون مع الصليب الأحمر، ويحظى بحماية قوات الشرطة والجيش.

عادة ما تكفي تلك الساعات بالكاد لفحص طبي سريع، يتبعه إستخراج تأشيرات للاجئين، تنتهي مدتها بعد 72 ساعة. إن لم يتمكّن اللاجئون من عبور الحدود والخروج من البلاد قبل إنتهاء مدة التأشيرة فإنهم يعتبرون "غُرباء."

ومن أجل تسهيل عبور الحدود، فقد وفّرت الحكومة المقدونية قوافل من الحافلات وسيارات الأجرة التي تنقل اللاجئين عبر الحدود بمقابل ماديّ. يعبر اللاجئون إلى صربيا أو كوسوفو شمالًا، أو إلى ألبانيا شرقًا، ومن هناك يمكنهم العبور إلى مونتينيجرو، البوسنة وكرواتيا. في كلّ الأحوال يضع اللاجئون نصب أعينهم وجهة واحدة: المجر. وعند الحدود المجرية يعودون إلى أوروبا ويقتربون من نهاية رحلتهم إلى دول وسط و شماليّ أوروبا.

تمثّل هذه المخيّمات التفاعل المؤسسي الأول مع الأزمة. فلشهور، أخذ المواطنون البلقان مهمة حماية اللاجئين على عاتقهم. أقام الجيران مع بعضهم البعض الخيام، وأماكن الإستراحة على طول الطريق. وفّروا الطعام والشراب، العناية الطبية الأساسية، المساعدات القانونية ومدينة ملاهي صغيرة للأطفال. أثبت مواطنوا البلقان مرّة أخرى أنّه "فقط الناس يمكنهم إنقاذ الناس".

ليس من قبيل المصادقة أيضًا أنّ ردّ الفعل المؤسسي المتأخر، الذي جاء على استحياء، يميل إلى توفير حل سريع ومؤقت للأزمة. فبالتأكيد لا ترغب أي دولة أوروبية - سواءًا أكانت منضمة إلى الإتحاد أم لا - في استقبال عشرات الآلاف من اللاجئين في مخيّمات دائمة. حكومات هذه الدول تفعل كل ما بوسعها لضمات أن هؤلاء اللاجئن سيكملون رحلة عبور البلقان إلى النهاية، وفي أسرع وقت ممكن.

كل ما تفعله الحكومة المقدونية هو تجميع كل اللاجئين عند الحدود اليونانية، فحصهم ثم تمريرهم إلى الحدود الصربية، حيث يعدّون الأيام في إنتظار خروجهم من البلاد. وحتى يتوقف اللاجئون عند سلك شائك أو حائط لا يمكنهم عبوره، فإن الحكومات تستمرّ في محاولة التخلص منهم وتمريرهم إلى الغير، أو يقومون ببساطة ببناء حوائط العرقلة منذ البداية ليجنّبوا أنفسهم التعامل مع المشكلة أصلًا. هاتان هما الإستراتيجيتان الرئيسيتان للحكومات لتفادي أي تعاطِ فعلي مع المشكلة، ليديروا ظهورهم للعالم، والإنسانية، وحقوق الإنسان.

زرنا أيضًا الحدود المجرية الصربية، وهي النهاية الأخرى لهذه الرحلة البلقانية. يعيد المشهد نفسه: أفواج من اللاجئين المرهَقين يسيرون بمحاذاة شريط القطار، وينتظرون في صفوف طويلة للغاية لعبور الحدود، ذلك العبور الذي تزداد صعوبته مع الوقت. على الجانب الآخر من الحدود نجد وسائل النقل السريع، حضور قوي لقوات الشرطة، وتهديدات عنصرية من قوات النازيين الجدد شبه العسكرية، (جوبيك)/ الداعمين الرئيسيين لبيتر زيجارتو، وزير الشئون الخارجية، الذي برّر سياساته ضد المهاجرين، مشيرًا إلى ما فعلته الحكومة الإسبانية، في سبتة ومليلية. أحسنتِ عملًا يا أسبانيا.

بصفتي عضو في البرلمان الأوروبي، فإن أكثر ما يزعجني هو كون الإتحاد الأوروبي غير واعٍ حتى هذه اللحظة بحجم أزمة اللاجئين، التي تعدّ الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. والأسوأ، أن الإتحاد لا يريد أن يبالي بالمشكلة. دعا الإتحاد إلى اجتماع لوزراء الداخلية في غضون أسبوعين. وما زالوا يفاوضون حول الحد الأقصى لعدد اللاجئين المسموح به في كل دولة. يعد الإتحاد بتوفير تمويل وموارد غير كافية في مجملها (حوالي 1.5 مليون يورو لصربيا ومقدونيا). وتمّ وضع الخطوط الحمراء حول الأزمة بين المؤسسات الأوروبية ودول الأعضاء، اتباعًا لنفس منطق تمرير المسئولية. ردود الفعل تتضاءل بشدة أمام سرعة واتساع مدى رد الفعل المجتمعي تجاه الأزمة.

مؤخرًا، في واحد من نقاط التفتيش التي مررت بها في طريقي إلى مخيّم جيفيجليا، اعترف لي ضابط شرطة بأنه لم يزر أي ممثل من الإتحاد الأوروبي المخيّم، أو يعرض أي دعم مؤسسي. أحسنتَ عملًا، أيها الإتحاد الأوروبي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع