المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حسان شموط  Headshot

التنمية البشرية ليست سوقاً للمعلبات

تم النشر: تم التحديث:

فكرة ميتة تلك التي ليس لها جذور في ثقافتها الأصلية، فهي بعيدة عن مقاصدها لكنها تنتسب إليها انتساباً ولو بالتكلف، وفكرة مُميتة تلك التي تُستورد من ثقافات أخرى منسلخة عن جذورها الأصلية التي نشات منها. فالأولى -عند مالك بن نبي- تولد القابلية للاستعمار ، والثانية تولد الاستعمار. وقد حذر -رحمه الله- النخبة المثقفة من أن تستورد الأفكار المُميتة من الغرب كي لا تُهلك وتَهلك!

اليابان حققت نهضتها وتفاعلت مع أفكار الحضارة الغربية من دون أن تتنكر لثقافتها الأصلية ، ولو اكتفى اليابانيون باستيراد الأفكار المعلبة واستهلاكها -دون تمحيص- فلربما كنا أمام نموذج آخر تماماً عن الذي نراه أمامنا اليوم.

عالم الأفكار عالم كبير، فيه مزيج من الأفكار الحية والميتة والمُميتة، والمحصلة النهائية للفعل فيه تبع لسيادة الأفكار الأقوى من أحد الأنواع الثلاثة، لكن أيضاً مواقع الناس تتفاوت فيه وفق سواد الأفكار الذي يعمل كل منهم على تكثيره، فمنهم من ينتج أفكاراً حية إذا حلت في بيئة إنسانية فعلتها من جديد وأطلقت الطاقات فيها، ومنهم من ينفخ في أفكار ميتة مضى على موتها قرون، وصنف ثالث منهمك باستيراد الأفكار من الخارج حيث التقدم والحضارة، لكنها أفكار نشأت في بيئات ثقافية أخرى وعوالم مختلفة بعضها قد يكون مُميتاً...

إن فنون التنمية البشرية التي راجت سوقها في مجتمعاتنا؛ استُورد محتواها الفكري من بيئات مختلفة عن بيئتنا، ومع وجود الكثير من الأفكار الجيدة طبعاً والمحفزة؛ إلا أنها تحمل أيضاً الكثير من الأفكار التي نقلت بطريقة القص واللصق من غير تمحيص، وأحياناً استعمل فيها عمداً ما يسمى بآليات الحجب والتمرير لغاية في نفوس المدربين، وتم ربطها بالقرآن والسنة أحياناً ربطاً فيه الكثير من التكلف والمغالطة إرضاء للمتدينين من المتدربين، ومع ذلك اجتمع على هذه التوليفة (المرتجلة) جموع غفيرة من الناس يحضرون دوراتها ويتابعون نجومها ويستفتون مدربيها...

ولعل مما ساهم في إغراق السوق بالمدربين الجدد هو سهولة الطريق، ويُسر الحصول على المعلومة في زمن الانفجار المعلوماتي، فرغم غياب التخصص الأكاديمي -وهي من المشكلات التي يعاني منها كثير من مدربي التنمية البشرية- لكن بعضهم استطاع أن يسوق نفسه على أنه متعدد المعارف والمهارات، فهو الخبير الإداري والمستشار الأسري والمحاضر في التربية والتعليم والمرجع المعتمد لدى المدارس والمختص بالتنويم بالإيحاء والبرمجة اللغوية العصبية والعلاج بخط الزمن والتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة و ... قائمة لها أول وليس لها آخر ...

ومع ذلك فليس هذا ما يهمنا كثيراً إذا ما قورن مع خطورة ما يفعله بعضهم من عملية استيراد الأفكار معلبة ثم نشرها في بيئة ليست بيئتها وفيها الغث وفيها السمين، ويدعونا للتساؤل: هل هذا من أعمال بناء الأفكار والقدرات الحقيقية للشباب؟

قد لا يُنكَر ما قدمه بعض مدربي التنمية البشرية -خاصة الجيدين منهم- من مساهمات لا يستهان بها في تنمية قدرات الشباب -خاصة على الصعيد المهني والتربوي-، لكن من ناحية أخرى؛ نرى معظم الأفكار الوافدة والقصص المنشورة قد استوردت جملة من غير تدقيق ولا حتى اعتبار للسياق الزمني الذي تشكلت فيه قصص النجاح تلك والبيئة المحيطة بها، وهذا بحد ذاته يشي بضعف العقلية النقدية لدى العاملين في هذا الحقل من جهة، وعدم وجود رسالة حقيقية لديهم أو رؤية كلية لمشروع تنموي حقيقي على مستوى المجتمع من جهة ثانية ، لكن يبدو أنهم وجدوا في التنمية البشرية مادة جديدة يؤسسون عليها أعمالهم الخاصة، ويكسبون ولاء زبائن يملؤون جيوبهم ثمناً لإشباع (الأنا) المتواصل الذي يقدمونه لهم، ويتواصلون مع متابعيهم من معجبين يتداولون مقولاتهم على شتى وسائل التواصل الاجتماعي ، ويمنحونهم التقدير والاحترام الذي ينشدون.

مرة أخرى نقول: كل هذا يهون إذا كانت تلك الأفكار المستوردة حية تصلح لإحياء بيئات الركود التي نعيش فيها، وتبني قدرات الإنسان القادر على المنافسة بالمعايير العالمية، فالتدريب الجيد يجب أن يحدث فرقاً ملموساً، فرقاً في الأفكار أو المهارات، هو نقلة نوعية تجعلك تفعل مالم تكن قادراً على فعله قبلها، أما إن كان ركوباً للموجة واستغلالاً للضعف فنحن أمام إحدى الكوارث القادمة التي تشبه الكوارث التي تسبب بها التكسب بالدين...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.