المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مزوار محمد سعيد Headshot

ذئب منفرد

تم النشر: تم التحديث:

من بين الذكريات التي توجع ذاكرتي هي قصة اختيار موضوع مذكرتي الجامعية الأخيرة، حاولتُ أن أتطرق من خلالها لموضوع حساس قليلاً، ذاك الذي يدور حول فكرة "الصراع" عند مالك بن نبي، بالطبع الموضوع رُفض من اللجنة "العلمية" من طرف بعض الذين يسمون أنفسهم "أساتذة"، ولحد الساعة أنـا أجهل الأسباب الحقيقية لرفض مشروع كهذا، رغم محاولاتي الكثيرة لأستوضح هذه الخطوة.

لن أخوض ثانية في شرح تفاصيل تلك الحادثة المؤسفة؛ لأنني وببساطة قد كتبتُ عنها ذاكراً التفاصيل يوم وقوعها، لكن هذا لا يمنع من العودة لتلك الحادثة من منظور أكثر "فاعلية" كما كان ينادي مالك بن نبي دائماً، والسبب الذي دفعني لهذه الخطوة بهذا التوقيت هو وقوع كتاب مالك بن نبي الذي هو بعنوان: "الصراع الفكري في البلاد المستعمرَة" بين يدي مجدداً؛ لهذا قررتُ أن أكمل ما عزمتُ على تنفيذه ذاك اليوم، وبشكل حر هذه المرّة.

هذا الكتاب يمتد على حوالي مائة وأربع وأربعين صفحة، عبر ستة فصول كاملة، بالإضافة إلى مدخل يسبقه تنبيه، بحيث يشير التنبيه هذا إلى أنّ هذا الكتاب هو أوّل محاولة أراد مالك بن نبي أن ينجزها باللسان العربي لوحده، وهو يدعو القراء إلى التماس الأعذار له إن ما شعروا بالملل كون أن الكاتب "مالك بن نبي" قد اجتهد أقصى طاقته لإنجاز الكتاب رغم لغته العربية المتواضعة مقارنة بما أبدعه باللسان الفرنسي؛ حيث قال: ".. هذه أوّل محاولة للمؤلف في الكتابة باللغة العربية مباشرة، فشأنها شأن كل محاولة: إنه لا يمكنها أن تكون في صورة مرضية.." (مالك بن نبي، الصراع الفكري في البلاد المستعمَرَة، دار الفكر دمشق - سوريا، ط: 09، 2009م، ص: 07).

هذا التنبيه يجلي أيّ شكّ عن ألفاظ هذا الكتاب، ويبعده عن جدلية "الترجمة" التي لطالما اجتهد سفهاء الفلسفة في كافة البلدان العربية في نشرها بين أذهان الطلاّب والباحثين، وكأنّ فيلسوف الجزائر المطرود مالك بن نبي قد تنبه أو استشرف هذه المشكلة من موقعه ومن زمنه ذاك؛ ليكتب هذا الكتاب رغم حساسية الطرح الذي يحتويه باللسان العربي، طبعاً لإدراكه أن مشكلة "الترجمة" إلى العربية قد تضيع الكثير من معاني الأفكار الفاعلة والفعّالة معاً على أرض المسلمين.

لا أفهم الحقد المكنون والمكبوت في عيون وروح كل "باحث" جزائري باتجاه مالك بن نبي، وكأنّهم لا يرغبون بالاعتراف بجميل هذا الفيلسوف الجزائري الذي كافح الاستحمار والاستعمار معاً على الجبهة الجزائرية، وعمل على خدمة وطنه الجزائر بكافة الوسائل المتاحة لديه، بالمناهج العلمية الصارمة وعبر أروقة الجامعات والمنتديات، وبواسطة المؤلفات والمنشورات من كافة أصناف المقالات، من الغريب للغاية أن نجد جامعات عالمية تحاول رصد أفكاره والانتفاع بها، عبر "ترجمة" مؤلفاته إلى لغاتها، وعلى أرض بلاده هناك من يحاربه فقط؛ لأنه "جزائري"، لا أفهم هذا الكره الدفين لفيلسوف من طراز ديكارت، أيعقل أن يكون سبب كل هذه الحرب هو أنّ اسمه عربي - مسلم، فلو كان اسمه جاك أو باولو لاختلف الأمر؟

لكي لا أظلم الشرفاء، وللأمانة فإنه يوجد الكثير من "المغضوب عليهم" ممن يحاولون بكافة ما يملكونه من ثقة أن يتمسكوا بالموروث المالكي "نسبة إلى مالك بن نبي"، لما فيه من رشاد وصرامة ودقة ووضوح وبعد نظر.

لم يؤسس مالك بن نبي لتيار أو نظرية أو نسق فكري فحسب، بل جمع كل هذا في بوتقة واحدة سمّاها (الثقافة)، وهي بالنسبة له الحديقة الخلفية لمشروع بناء الحضارة، وهذا بالذات ما فتح عليه النار من أبناء الدار التي حماها بكافة ما يملك.. رحم الله فيلسوف الجزائر المطرود مالك بن نبي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.