المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مزوار محمد سعيد Headshot

عمر بن الخطاب يقود حاملة الطائرات لتحرير بيت المقدس

تم النشر: تم التحديث:

لم تترك لنا الأقلام كعرب ما نقوله عن المدينة المقدسة بفلسطين، لا عن مسجدها ورواده، ولا عن أزقتها التاريخية وشوارعها العريقة، وحتى عن أناسها الطيبين أو سياسات المحتلين، الكلّ تحدث وأدلى بدلوه في هذا المجال، وليس من عادتنا أن نخوض في موضوع هو مشاع بين العوام كما بين المثقفين، ويحمل رصيداً عاطفياً يسكن الوجدان الجماعي للجماهير العربية، لكن ما حدث مؤخراً على هذه الأرض لم يترك لنا مجالاً للبقاء على الحياد، وهذا ما جعلنا نجنّد كافة طاقاتنا الفكرية من أجل ذلك، خصوصاً من أجل استنطاق صورة حضارية رسمها سكان فلسطين دفاعاً عن المسجد الأقصى بطريقة سلمية لا نظير لها في كتب تاريخ المستعمرين.

لا نريد هنا أن ندور في فلك نظريات التاريخ وأحقية ملكية الأماكن المقدسة، ولا ضمن الصراع الدائر بين اليهود والمسلمين، لكن المسجد الأقصى كما نعتقد هو من حق المسلمين، هو مسرى النبي محمد عليه السلام، ولا نعتقد كذلك أنه يوجد أيّ يهوديّ ينكر هذا الحق الإسلامي، رغم وجود نقاط توتر أيضاً حول هذه النقطة بالذات، خاصة فيما يتعلق بما يسمى هيكل سليمان "الافتراضي".

تدور الحكاية حول استيقاظ المسلمين ذات يوم على وقع خبر إقامة الكيان الصهيوني أبواباً إلكترونية على مراكز تفتيش أمام بوابات المسجد الأقصى، وذلك بغرض تفتيش المصلين الوافدين إليه من أجل إقامة شعائرهم الدينية؛ هذه الخطوة من طرف العقل "الصهيوني" المتغطرس والمستأثر بقوته أمام ضعف المسلمين الدنيوية، أفاضت مشاعر عميقة لدى كلّ مسلم، ودفعت أبناء فلسطين إلى التجاوب مع إعلان النفير العام الذي نطق به إمام مسجدهم المقدّس، وبهذا بدأت متاعب الغرور الصهيوني في مواجهة إرادة شباب فلسطين الطاهر.

بدأت الصدامات بين الجماهير الغاضبة من جهة وقوات أمن الصهاينة من جهة أخرى، والمهم أنها أعادت بوصلات عربية كثيرة نحو الأقصى، مما وضع رئيس حكومة الكيان الصهيوني في حالة ارتباك، رافقه فيها بعض زعماء عرب من ملوك ورؤساء، ولكن الغريب هذه المرة في الطريقة التي اتبعها الشباب الفلسطيني وهو ينتصر للمسجد الأقصى.

اعتصم شباب في عمر الورود أمام بوابات المسجد وعلى ساحاته مهللين ومسبّحين الله تعالى، ومطالبين وداعين ربهم متضرعين له من أجل رفع الظلم عنهم وعن مقدساتهم، لم يغادروا أماكنهم ليل نهار، ولم ينساقوا إلى الاستفزازات الصهيونية كذلك، وبقوا على هذه الحال وقتاً معتبراً من الزمن، وهنا وضعت القوة الصهيونية أمام إحراج لم تعهده على الإطلاق، فبفضل القنوات الإعلامية المختلفة تم توثيق الأحداث، وبوجود مواقع التواصل الاجتماعي بلغت الوقائع هذه كافة أصقاع الدنيا، وبدأت هبة شعبية في أغلب الدول الإسلامية نصرة لإخوانهم المظلومين على الأرض المقدسة، مما لم يترك أيّ سبب ولا أية حجة أمام الصهاينة لاقتراف جرائمهم المعتادة في حق العزّل، ولا تلفيق موقف رسمي ضد المطالبين بحقوقهم الدينية وبالوسائل الحضارية؛ لينتج كل هذا الضغط على الكيان الصهيوني تراجعه عن كافة الإجراءات الجديدة في حق الأقصى، وإذعانه لهؤلاء الشبان الشجعان، وهذا ما توفر له عبر السلالم الأردنية الهاشمية.

ما وضع أسسه هؤلاء الشباب الكثير من النقاط المهمة، لعل أهمها هو عنوان جديد لمرحلة جديدة يقول: لا تواكل بعد اليوم على أيّ من الأنظمة العربية، والثورة الفلسطينية ستستعر بأيادٍ فلسطينية، كما أنّ السلام هو أساس المطالبة بالحقوق مهما كان الظالم متغطرساً ومتعصباً أو حتى مجرماً سفاحاً؛ لأنّ الوقائع لم تعد تحمل إمكانية التزييف أو الإخفاء في عصر العولمة المفتوح والسريع، وهذه كلها تطورات لم يمتلكها الشباب الفلسطيني من قبل.

ما يلاحظ أيضاً هو أنّ هذه الهبة الشبابية من أجل الأقصى لم يكن لها قائد، فالأمور كانت عفوية ولكنها منتظمة بشكل رائع، والبطل في هذه الحالة هو الشباب الفلسطيني، وبأدواتهم الخاصة البسيطة، وعبر تسيير ذكيّ للغاية نقل مطالبهم إلى العالم دون الانجراف إلى العنف أو الانسياق وراء الاستفزاز الصهيوني الذي كان ممنهجاً عليهم، والمذهل في كلّ هذا هو طريقة استقبالهم لنبأ نجاحهم، لقد أداروا الأزمة بشكل راقٍ للغاية، فعجزت القوة الصهيونية عن احتوائهم أو العبث بعقولهم لتدمجهم في صورة نمطية تسوّق كيان بني صهيون على أنه الضحية، وأنّ شباب فلسطين هو الجلاّد.

تثبتُ هذه الحقائق بأنّ عالمنا قد تغيّر كثيراً، وأنّ إدارة جيّدة للموارد مهما كانت بساطتها وفي الوقت المناسب ستكون قادرة على صناعة نصر عزيز بإذن الله، نصر عجزت عن تحقيقه كافة الشعارات العلمانية في الوطن العربي سابقاً، وكلّ الخطب الدينية على حدّ سواء، لقد برهن الشباب هذه المرة عملياً بأنّ ملله من كافة اللغات الخشبية التقليدية العقيمة قد كوّن له طاقة كامنة هائلة، يكفي حافز بسيط يكون نتيجة لحدث لا يكاد يُذكر، حتى تنطلق موجة هائلة تؤدي به إلى إنجاز ما عجز عنه أسلافه عبر عصور متراكمة.

القاعدة لدى العرب - المسلمين الشائعة هو أنّ على الشباب أن يلتزم باكتساب الخبرة من كبارهم ومشايخهم، لكن الأقصى هذه المرة قد قلب هذه القاعدة، بل على الشيوخ أن يتعظوا من حنكة الشباب وإصرارهم على الاعتماد الذاتي على إمكاناتهم الذاتية من أجل صناعة واقعهم وتجسيد أحلامهم، فالسماء لا تمطر ذهباً أيّها السادة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.