المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مزوار محمد سعيد Headshot

كتالونيا الجمهورية

تم النشر: تم التحديث:

عرفتُ اسم "كتالونيا" من مشجعي برشلونة، ولم يكن يعني لي هذا الاسم الكثير، سوى أنه عبارة عن إقليم من أحد أقاليم المملكة الإسبانية التي قامت على أنقاض ممالك إسلامية جابت جنوب أوروبا طمعاً في خيراتها ونسائها.

ولطالما استمتعتُ بمباريات "الكلاسيكو" التي لطالما نشبت بين عرين مدريد وكهف برشلونة الجديد، لكن لقصة كتالونيا مجرى آخر، بعيداً للغاية عن كرة القدم وجنونها هذه المرة.

صار هذا الإقليم مطالباً بالانفصال عن المملكة التي دامت لقرون حتى الآن، وهي التي أدارت هذه الأقاليم المنضوية تحت سيطرة مدريد بكفاءة عالية تحت مظلة الفيدرالية، الأسباب غير واضحة ولا مقنعة، خاصة حجة "الأزمة المالية" والمساهمة السنوية في الخزينة المشتركة من مداخيل الإقليم الذاتية، كون أن هذه المساهمة بالذات ليست وليدة اليوم، وإنما يرجع أمر وقوعها منذ زمن بعيد يعود لقرون!

لم أفهم لمَ يريد سكان كتالونيا الخروج عن سيطرة الإسبان؟ ولا أفهم تحمّس بعض المشجعين الجزائريين لنادي برشلونة الكتالوني لهذا الانفصال أكثر من سكان كتالونيا عينها؟ عندما يتحمّس الكتالوني فهذا أمر عادي؛ كونه يفرح لمشروع جديد يضخّ دماء جديدة في إقليمه العتيد، لكن فرحة مشجع على الأرض الجزائرية وهتافه لهذا المشروع، وهو الذي لم يزُر في حياته كلها أرض الكتالان، بل ويدفع منذ سنوات أموالاً طائلة من أجل مشاهدة مباريات هذا النادي، فهذا أمر محيّر للغاية؟

هل بلغت بنا السذاجة كجزائريين إلى الانتقال من تبني هواية كرة القدم وتشجيع النوادي الإسبانية إلى الذوبان كما الانصهار في الحياة والثقافة الإسبانية على وجه العموم؟

على كافة أصقاع الأرض، فإن لكل فرد توجهاته الخاصة، والأثر الذي يحمله الوطن ويطبعه على جسد كل إنسان، مهما كان، يتحوّل إلى حافز عندما يستفيق على وقع أزمات عديدة، لكن أن يهاجر الفرد من وطنه روحاً لا جسداً باتجاه أوطان أخرى طردت أجداده، لقد أوقعني هذه الحالات في سذاجة أعيت من يداويها؟

لا أخفي عن نفسي انبهاري الشديد بالألعاب الإسبانية، وموسيقى الإسبان الشعبية، كما أنّ إنجازات فرانكو تجعلني أقف موقف التبجيل أمام عظمة شعب قاد أمته باتجاه تضميد الجراح الناتجة عن فترة المسلمين بها من جهة، والسير قدماً نحو بناء دولة عصرية على الطراز الأوروبي بعيداً عن كل طابع إسلامي من جهة أخرى، مع احتفاظهم ببعض الشواهد الإسلامية فقط في أسماء بعض المدن أو بعض المواقع السياحية الشهيرة.

قد أعذر بعض الجزائريين إذا ما تفاعل مع جماهير الكرة الإسبانية، لكن أن يحشر جزائري أنفه في قضايا مصيرية إسبانية هرباً نحو الأمام كما يقال من مشاكله اليومية، فهذا لن يكون سوى نوع من العبودية المعاصرة التي صار سجنها أكثر صلابة؛ لأنّها تسجن الأرواح بدل الأجسام.


قد يأخذه الحنين إلى أيام طارق بن زياد، هذا الرجل الذي غزا بلاد الإسبان عبر قصته الأسطورية المعروفة، لكن إسبانيا اليوم ليست إسبانيا زمن طارق بن زياد، ولا جيش طارق اليوم هو نفسه جيش طارق بالأمس.

إذا ما انفصلت كتالونيا عن مملكة إسبانيا فهذا لن يغيّر في الواقع الجزائري شيئاً يا أيها القطيع، وإذا ما بقيت في حضن مدريد "وهذا على ما يبدو ما سيحدث" فلن يغيّر أيضاً من معيشة الجزائريين؛ لأنّه وببساطة أوروبا لا علاقة لها بشمال إفريقيا، والجزائر تقع في إفريقيا بينما إسبانيا تقع في أوروبا.

لقد نبشت في ذاكرتي قضية كتالونيا هذه في إسبانيا، قضية أخرى في الولايات المتحدة الأميركية وهي تتعلق بقضية كاليفورنيا، الأمران متشابهان مع كلا الطرفيْن: هناك فيدرالية في البلديْن، ودعاة استقلال عن هذه الفيدرالية على الضفتيْن، لكن كل هذا لا يغفر لذاك الجزائري حماسه الساذج.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.