المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مزوار محمد سعيد Headshot

دَرْبُ الساتيا جراها الجزائريـة

تم النشر: تم التحديث:

"... الأمعاء التي ركّب عليها الاستعمار الرؤوس الحاكمة تعطّل النشاط الطبيعي في الوطـن..." (مالك بن نبي، الصراع الفكري في البلاد المستعمرَة، دار الفكر - دمشق سوريا، 2009م، ط: التاسعة، ص: 26).

يؤكد مالك بن نبي -رحمه الله- أنّ الاستعمار يستنفر كل طاقاته ويجنّدها من أجل محاربة الأفكار المتجسدة والأفكار المجرّدة معاً، وهو بذلك يسمح لنفسه بإعطاء كل بيادقه الضوء الأخضر من أجل تهشيم هذه الأفكار في أذهان الجماهير، أي أنّ "الفكرة المتجسدة" إن ما تحوّلت من موقعها المجسَّد إلى موقع الفاعلية، فإنها ستحرك مولدات الطاقة الإيجابية لدى الجمهور مما ينتج عنها حوافز عمل وإنتاج، وهذا بالضبط ما يشكّل خطراً على موقع الاستعمار الريادي، مما يدفعه إلى العمل على اغتيال هذا النوع من التجسيد عبر آليات مدروسة مسبقاً.

يصبح الاستعمار أكثر تركيزاً في حالة ما تسرب إلى الضمير الجماعي للجمهور المستعمَر "فكرة مجرّدة"، بحيث تمثل بالنسبة لسيطرة الاستعمار منافساً قويـاً، وهذا بالذات ما يجعله يخضع لترصّد رهيب وخشوع مهيب من أجل إلغاء هذه الفكرة المجرّدة وإعادة الجمهور إلى حلقاته الأولى؛ إذ إنّ الفكرة المجرّدة في الضمير هي بمثابة الكتلة الملتهبة في عقل كل فرد، تدفعه بتوابل الإيمان بذاته باتجاه العمل والإنجاز، لكنّ الاستعمار يعتبر حالة هيجان الجمهور من أجل الإنتاج أمراً يشكل بالنسبة له خطراً وجودياً التخلّص منه أمر واجب دون نقاش.

عندما ينحدر الجمهور إلى حافة الهاوية، فإنه سيقوم فقط بتأدية دور "الأمعاء" في الأجسام، فقط هضم ما يأتيه من الخارج عبر الفم، فهو لن يناقش ما يهضم، ولن يفاوض من يورده بتلك المواد التي يهضمها، ولن يتعرف على ما يهضمه، فقط هو يقوم بعملية الهضم وبهدوء تام؛ ليحوّل ما هضمه إلى اتجاهيْن اثنيْن:

الأوّل: هو الطاقة التي يضيع منها أكثر من تسعين بالمائة.

الثاني: يتحوّل إلى روث ينزل بطريقة قهرية في دورات المياه، بلا فائدة تذكر، بل إنه يزيد من معاناة الفرد ويشغل حيزاً من تفكيره حتى يتمكن من التخلّص من قذاراته.

عندما يشتغل العقل سينسى الفرد جهازه الهضمي تماماً، بل يصبح هذا الأخير مجرّد أداة من أجل البقاء حياً، لا غاية في حدّ ذاتها، وفي حالة كهذه يبدع الإنسان بشكل لافت، العقل يشتغل وهذا هو أساس كل إبداع.

لا يبقى الجمهور "خاملاً، معطلاً" لمدّة طويلة، فبطولة أحد "الفدائيين" ستوقظ ضميره عبر إحدى الأفكار المتجسِّدة أمامه، هذا الفدائي الذي انتحر فكرياً وتمت تصفيته معنوياً يقوم بآخر محاولاته لشدّ الانتباه إليه، فيجنّد بعض التائهين قيميا، يجيّشهم للقيام بمظاهرة على سبيل المثال، وبما أنّ الاستعمار قد عمل على قتل كافة التوجهات من قبل لدى الجمهور بمعظمه، فإن التائهين هؤلاء موجودون وبكثرة، تنزل المظاهرة إلى الشارع، ليتلقفها حرّاس "النظام" بعصيّهم، جاعلين من "الرأس المدبِّر" مجرما، فيغتالوه بشتى أنواع التهميش، وبالتالي فإنهم سيهزمونه جسدياً ومعنوياً، كما يفعل الفدائي تماماً على أرض المعركة، ومع ذلك سيترك خبره هذا المنتشر بشكل محدود للغاية، انطباعاً جيّداً في الوجدان الجماعي لذاك الجمهور الهاضم، حدث كهذا هو بمثابة فيتامين تسرب إلى الأمعاء بشكل غير متوقع من عقل وحيد، وبالتالي يجتهد الاستعمار في إعادة الهدوء لهذا الجهاز الهاضم بشكل سلس جدّاً.

قد يكون هذا الفدائي (الفيتامين) بداية شرارة ثورة، هنا الاستعمار يندفع بحركات سريعة ليؤسس مشاهد مختلفة لمسرحية تنشط أمام أعين الجماهير بشكل مبهر.. "فالاستعمار يتبع في ذلك طريقة تطبق في بعض الألعاب الاسبانية: إنهم يلوحون بقطعة قماش أحمر أمام ثور هائج في حلبة الصراع، فيزداد هيجاناً بذلك، فبدلاً من أن يهجم على المصارع يستمر في الهجوم على المنديل الأحمر الذي يلوّح به حتى تنتهك قواه..." (مالك بن نبي، المصدر السابق، ص: 29).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.