المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مزوار محمد سعيد Headshot

من حكايات مُدَرِّسٍ صعلوك

تم النشر: تم التحديث:

ورد في التراث الشعبي من عمق الثقافة اللاتينية الاسبانية قصة عرفتنا عليها السينما الأميركية عبر فيلم "السماء المنكسرة"، وهي قصة معبّرة جداً تقترب إلى القَصَصِ منها إلى الأسطورة، تذكرتها بعد شهر من بداية عملي كمدرّس في ابتدائية، المدرّس "الذكر" الوحيد فيها هو أنا، والبقية كلهنّ إناث، فتحيا المرأة الجزائرية، تلك التي تعتبر مصنع الرجال بعدما اعتبرت سابقاً مصنعاً للثوّار.

تروي الحكاية أن جدّة عجوزاً استوطنت هي وحفيدها الوحيد جزيرة مهجورة، عاشا فيها بسلام إلى أن قصد الجزيرة في أحد الأيّام جيش من الجرذان، وشرعت هذه الأخيرة تقضم الأخضر واليابس بنشاط وبلا تهاون، ولمّا شاهدت الجدّة كافة محاولات حفيدها للتخلّص من الجرذان قد باءت بالفشل، اقتربت منه ذات مساء وهمست في أذنه تطلب منه إخراج برميل من الحديد موجود في قبو بيتهما، استجاب الحفيد بسرعة البرق لجدته، بعدها أمرته بملء البرميل بزيت الزيتون، ثمّ طلبت منه إشعال نار تحت البرميل، وهكذا فعل الحفيد بإتقان، ولما انتشرت رائحة زيت الزيتون حتى عمّت كافة أرجاء الجزيرة طلبت الجدة من حفيدها أمراً أخيراً وهو إغلاق باب البيت بإحكام خلفه وهما يهمان بالدخول، ثمّ جلسا يتفرجان على ما سيجري من النافذة، عندما وصلت الرائحة إلى الجرذان هبّت إلى البرميل حتى امتلأ بها جميعاً خلال دقائق معدودة، عندها أمرت الجدة حفيدها بالخروج بسرعة وإحكام إغلاق البرميل بغطاء صلب، وهذا ما فعله بدقة، ثم التفت إلى الجدّة قائلاً: الآن، ما علينا سوى رميه في البحر؛ لكن الجدّة أومأت إليه بالنفي؛ فاستغرب الحفيد لكنه استجاب أيضاً لطلب جدته الغريب أيضاً دون تأخير.

بقيت الجرذان داخل البرميل أياماً وأياماً، نفد الزيت، جاعت الجرذان، ومن شدّة جوعها شرعت في أكل بعضها البعض، وفي خلال هذه المدّة أخذت الجدّة بين الحين والحين الآخر تتفقد البرميل بعصاها عبر قرعها للبرميل، لكن الجرذان كانت تردّ على أصوات عصا الجدّة بأصوات صاخبة يائسة؛ مع مرور الأيام خفتت الأصوات كثيراً حتى تلاشت بالكامل تقريباً، وفي أحد الأيام، سمع الحفيد جدّته تناديه، فلمّا حضر إليها طلبت منه فتح البرميل بعدما يكون قد حمله بعيداً عن المنزل، لكنها قامت بتحذيره بأشدّ العبارات بألاّ يقف في مسار هروب الجرذان التي ستخرج من البرميل، فازدادت حيرة الحفيد من تصرفات جدّته التي بدت له غريبة جداً، فكيف ستطلق سراح كل هذه الجرذان بعدما نجحت في حجزها.

حمل الحفيد ذاك البرميل فبدا له خفيفاً، وهذا ما زاد شدّة حيرته، أين اختفت كل تلك الجماهير من الجرذان؟ سار به بعيداً عن المنزل، في مساحة مجهورة، ربط الغطاء بحبل، ثم هرع هارباً حتى قطع مسافة طويلة، ومن على تلة بعيدة جذب الحبل فانفتح الغطاء، وإذا بالبرميل يخرج منه جرذان اثنان فقط، كبيرا الحجم، خرجا مسرعيْن باتجاه الغابة، انتظر الحفيد لساعات خروج البقية لكن لا أثر لغير هذيْن الجرذيْن؛ ولما عاد إلى المنزل فسّرت له جدّته كل ما غاب عن ذهنه.

من تلك الواقعة لم يشاهد الحفيد أيّ جرذ أو فأر جديد على الجزيرة ما عدا الجرذين السمينين اللذين عاشا من تلك الحادثة، إذ أي جرذ أو فأر يدخل تلك الجزيرة إلاّ ويجد هذين الحارسين بالمرصاد يتقاتلان حتى يفوز به أحدهما فيأكله، فقد تغيّرت طبيعتهما إلى آكلي "جرذان وفئران".

لم تقض الجدّة على هجوم الجرذان ذاك فقط، بل أغلقت الجزيرة في وجه كل جرذ جديد.

تذكرتُ هذه القصة، بعد شهر من التدريس، بين جدران مدرسة تفرّق بين مدرّسيها ما بين "جديد - أمّي" و"قديم صاحب خبرة وعالم بالدار وجدرانها"، هذه القسمة جعلت منّي المدرّس الجديد - الأمّي مرغماً، لكنني أحمل الحق في طرح الأسئلة دائماً، والاستفهام على الدوام عن سبب هذه الحال، فهل سأكون الجرذ الجديد الذي سيلتهمه أحد الجرذان القديمة على أرض تسمى: جزيرة المدرسة الجزائرية؟ هل سأكون ماكسيموس المدرسة الجزائرية كما كنتُ ماكسيموس الجامعة الجزائرية؟ الأيّام بيننا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.