المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مزوار محمد سعيد Headshot

محمّد أركون.. "ما أكبر سنّك عقلاً وما أقلها أعواماً!"

تم النشر: تم التحديث:

لا تزال كثير من المواضيع التي فتحها السيّد محمد أركون -رحمه الله- في طيّ التغييب (абсентеизм)، خاصة الدينية منها؛ لهذا فإنّ العالم وحتى اليوم لم يفهم بعدُ ما بحث فيه السيّد أركون، ولا يتهاون أبداً في إظهار العداء لمفكّر لم يجد سوى التفكير في كل لا مفكّر فيه، إنها لغة الخشب لدى القراصنة كافة الذين لم يتوانوا في تحطيم الأصنام ليجلسوا مكانها.

يدعو السيّد أركون إلى فهم المفاهيم (Концепции) أولاً، ونحت البليغ منها من أجل سلامة التعبير وسلاسة التفاهم؛ إذ لا يمكننا أن نصل إلى توافق دون الرضوخ لسلطة المفهوم على اللغة وسطوة المدلول على الدال، وهذه النقطة لطالما أجادت إخراج كل عربات الأمم عبر التاريخ عن مساراتها، تنبَّه لها السيّد أركون، لكن لا حياة لمن تنادي.

ينادي الحاج أركون بإصلاح "المؤسسة" الدينية والعودة إلى النظر بجدية تامة في نقاط التشارك والمشاركة بين ما هو ديني وما هو علماني طمعاً في خلط الطاقات وإعادة إنتاج الصور الفكرية من أجل الاسترسال في هضم كل ما هو قادر على التفاعل بين مسائل مهبط الأفكار والارتداد إلى منابعها أيضاً بلا تظليم ولا إظلام لكلا التياريْن على حد سواء.

ولم يقصّر فيلسوف المسلمين المعاصر في عزل مسوغات المنصات كافة التي ترتصف من أجل إعلاء مقدرات كل ركيزة على حدة؛ إذ كل "دغما" تتحصن في موقعها بواسطة ما ينجرّ عنها من سياجات فكرية تنطلق من تمترس خلف التقديس هالة لا احتراماً، وبهذا فإن المعطيات كافة التي تتخبط فيها الإنسانية (человечество) اليوم من تطرّف وجرم، ما هي في الأصل سوى تراكمات للكثير من العقبات الذهنية التي بقيت بلا تفسيرات، وخلط للكثير من عادات فصل كل ما هو تغييب عن أسباب غيابه للإبقاء عليه حاضراً ضمن فترات طويلة وفاعلاً في ساحات بعيدة جداً عن حدود معانيه.

العلاقة الموجودة ضمن تفكير (мышление) كهذا في الواقع القريب هي نتيجة أفكار سلطوية غُرست في نفسيات الأجيال، وتم ترديدها كبديهيات منذ أكثر ما يزيد على عقود، لهذا من المهمّ أن تعتادها كافة العقول؛ لكونها لا تقبل التمحيص، وتصبح بذلك أقوى من سلطان ملامح الديانات في الحياة، وعليه أي تأثير عليها قد يفجّر أرضية اجتماعية تكوّنت عبر زمن طويل.

في أية نقطة يتصل الخوف (страх) بالفكرة، فإنه يحدث خشية في النفس من معاني الفكرة ذاتها كافة، وهذا ما يجيد رجال الدين العبث به، عابثين أيضاً عبر الأسلوب نفسه بشعوب بأكملها، ومن ثم، فإن أسباب ظهور صور همجية على الإعلام وتقبلها من طرف شريحة واسعة من البشر، يعود في الأساس إلى الفكرة (Идея) التي تبث رعباً في بواطن العقول.

إنّ نقاط اتصال الخوف بالأفكار يعطي للفكرة أكثر من معنى، يطمس بظلام التجاهل الكثير منها ليبقي بواسطة التعمّد الخبيث وبأسباب وحجج لا علاقة لها بالعقل-المنطقي أو الإيمان-الديني على معنى وحيد، ليتخذ موقعاً له ضمن مسار محدّد، ثم يعيد نسج خيوط الولاء كافة من حوله، وبمجرّد تثبيته في الحالة التي يُراد له بها ذلك، يصبح ذا سلطة على شريحة هامة من "المؤمنين".

إعادة النظر في المفاهيم على اختلافها، وخاصة الدينية منها، هو كسر للمعتقدات المغلوطة كافة، وإحياء لروح البحث في نفوس العطشى، لهذا فإن دعوة السيّد أركون تستقي من العلمية مواردها أكثر مما ترتضي الرضوخ إلى أسلاف وصلتنا أفكارهم معدلة على مقاس إما السلطة السياسية أو الدينية وإما عبر جشع عروشي قبائلي بغيض يطفح برائحة الثأر والتعصب للدم أو العرق؛ إذ نحن بحاجة فعلاً إلى تمحيص كافة ما نقوله قبل قوله، مهما بدا بعيداً عن التمحيص والغربلة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.