المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مزوار محمد سعيد Headshot

شذراتي عن نتشه: الحلقة الثانية

تم النشر: تم التحديث:

يتحدث نيتشه عن الكثير من المتغيرات داخل الفعل الوجودي الواحد بشكل محتدم وعميق، هناك الكثير من اللوازم التي ترافق الفرد الإنساني خلال حياته ضمن الأيام التي تتعاقب دون تشابه على الإطلاق، وبهذه الحالات يمكن التواجد ضمن آخر نطاقات الفهم العريق لما يستحوذ على همم الفرد الإنساني في نطاق التواجد العام لمعرفته في إطار دائرة التفاعل التام مع كافة أجزاء الحياة.

يتعامل الإنسان حسب نيتشه مع العالم وفق "صور" يلتقطها عنه، ويقوم بتفسيرها على حسب اعتقاداته وراحة باله، وكذلك بعض المحددات الأخرى التي يرتاح لها كثيراً، وهذا بالذات ما يجعل تلك الصورة هي العالم، وتغيّرها هو تغيير في عالم الفرد بمعيته أو دون شعور منه، وهي بالتالي قضية يقف عالم اليوم أمام تداعياتها بشكل محفوف بأخطار كثيرة، لطالما كانت أمسيات الإنسان عبارة عن فهمه الخاص بمواقيت بعينها دون غيرها، أساليب ينحتها من قريحة غيره في نوم خافت لعقله المكلوم، وبالتالي هي حياة ضمن إطار ملوّن بتأثيرات الغير من أسلاف أو عوامل اختلاف.

يقول نيتشه في الشذرة الثامنة من كتابه الفجر: ".. تغيّر الصورة - معاناة بلا أمل، تخيل ملتبس، انخطاف سماوي..".

صناعة الصورة هي من مهمات الإمبراطوريات الروحية اليوم، مَن يصنع الصورة هو الذي يتحكم في مقدرات الأفئدة على اختلافها، هو المتحكم في مصائر الشعوب والأمم، هو المدرك لحيثيات الصنائع التي يصنعها، ودون تدخل الشعور أو العواطف في مقاومة ما يقوم به في حق الآخرين، كمن يفقد الأمل بإرادته، أو يعاني بكامل هواه.

مَن يصنع الصورة الدولية اليوم هو القائد الأوحد لكافة الشعوب، هو الذي يصنع مهربهم الوحيد أيضاً، هو مَن يصنع تخيلاتهم، هو مَن يصنع الحاضر ومرامي المستقبل، لم تعد الديانات سوى أدوات ترسم بواسطة تعاليمها جزءاً من الصورة العالمية، ولم تصبح التقاليد وأوهام الأنظمة سوى مسكنات لعملية النحت على الجلود والأجساد، ولم تبقَ المبادئ سوى مثبطات لمقاومات تختلف من جغرافيا لأخرى، فالكل يشرب الكوكاكولا اليوم يا أحبتي.

الصورة التي توجد اليوم هي الصرّة التي تورّد القيم والمعاني عبر أجهزتها العميقة والواهية في الوقت ذاته، هي مزيج من الجد والهزل، من الواقع والخيال، إنه الافتراض والاحتمال لكافة أطراف البواقي والعوائق، فالكل يتجه إلى الرفاه مع القليل من ملح التمويه؛ فديدن العالم الغربي أُقيم على الصور، من الباروكية إلى هوليوود، ولم يجانب ذاك القائد الهندي الحقائق كثيراً عندما تحدث عن سلاح لوس أنجلوس الخطير على العالم، فهو يصنع عالماً على المقاس الأميركي، ودون دراية أحد.

نشهد اليوم صورة عالمية تغيب عنها تأثيرات الفاتيكان الأوّل، عدوتها الكعبة، وعراقة أوروبا هي تعتبر تخلفاً، إفريقيا تعتبر مصدراً لعبيد مبتسمين قانعين بعبوديتهم، آسيا تمثل عمالاً مجتهدين دون أجور، وأميركا اللاتينية هي مورد للجنس والمومسات، والعرب لا وجود لهم سوى في خدمة دفع الشيكات والتمثيل دون ملل لأدوار الباد - غاي "الأشرار" على حلبات الواقع اليومي، فهي سبب وجيه لعمل الجيوش وطرد الخمول عنها، ومادة دسمة لأخبار العنف وجلسات التحليلات الجيو-سياسية اليومية، كما أنها مثال صارخ للانتصارات المدوية، انتصار الإمبراطورية الأميركية على معتقدات "السماء" الخرفة.

مَن يصنع الصورة اليوم هو صانع العالم الجديد، فلا أحد يمكنه الخروج من صورته، ومَن يشارك في رسم هذه الصورة الشاملة هو حتماً مشاغب يجب على القويّ أن ينظر في طلب مشاركاته هذه، لربما تبقى الثقافة آخر جنديّ على ساحة المقاومة، إن لم يكن سكران أيضاً، وهذا بالفعل على الأرض أمر يبدو من الصعب جداً تحقيقه، فالجنود ودون استثناء هم سكارى، إما خمراً أو جنساً أو ثروةً أو مبادئ بائسة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.