المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آية الهام مستور  Headshot

قبل فوات الكارثة

تم النشر: تم التحديث:

تمر الأيام، أو نمر عليها، نكبر شيئا فشيئا، وندرك أن الأمور ليست ببساطة سندريلا التي لحسن حظها لم يغتصبها ذلك الرجل الغريب الذي سماه المؤلف - في لحظة بلغت فيها رومانسيته أعلى درجات الخرافة - أميراً، وأن الحسناء النائمة اهتزت بعد أن وشوشت لها إحدى الجنّيات مقولة باتريك داك: "يلزمنا صبر لا متناهٍ لمواصلة انتظار ما لا يأتي أبداً". حينها استيقظت بعد سبات عميق وأدركت أن جمالها لم ينفعها وأن الفرسان الذين انتظرتهم استغلوا الفرصة لسرقة قبلات غير مجدية أثروا بها مكاسبهم (شبه العاطفية البعيدة كل البعد عن المشاعر) وأن أباها وأمها اللذين كانا ملكين قد توفيا (المدام نامت ما يقارب ١٠٠ سنة).

المهم قد يطول الكلام بخصوص الخزعبلات التي كبرنا بها، وكم تمنيت لو قصت علينا سير صلاح الدين الأيوبي أو حسيبة بن بوعلي أو دال كارنيغي أو أغبى مغامرة قام بها كريستوف كولومب.. الخ. لما كان حالنا يُناح عليه.

تخطو خطوة الى الوراء فتجرك الأيام الى الأمام (غصباً عنك أحياناً).. تلاحظ أن رغبتك في الكلام قد قلت وأصبح الجميع (إلا من رحم ربي) يتناقشون في مواضيع أصبحت على قدر لا يحتمل من التفاهة حتى انك تكاد تصاب بالإحباط اذا ما رمي بك القدر في جلسة بينهم... ورغم ان كل شيء في تغير مستمر الا ان المواضيع المتداولة في السنوات الأخيرة عندنا لا تزال تدور حول الأكل (بما فيه لحوم الاخرين)، الزواج والأعراس، فيسبوك، كرة قدم، الأغاني شبه الرايوية (الراي) ذات الإيحاءات الجنسية والإباحية وبعض الثرثرة حول البيروقراطية، وبعض المشاكل الاجتماعية.. "عما تريدهم أن يتحدثوا يرحم باباك"، يقول صديقي حمزة متهكماً.

من هنا تظهر الأسئلة وتتعقد الأجوبة، او بالأحرى نحن في حاجة الى خبير محنك في الشؤون الاجتماعية حتى نفهم سر هذا الخراب العظيم الذي لا تدرك عواقبه سوى الأقلية.. بما أن الأغلبية الساحقة تمضي صوب حتفها المتعدد الأوجه.. والمنمق بعبارة "الله غالب".

في هذا الوقت بالذات تجد نفسك بين أكداس من الساعات وركام من الأسماء تمثل عبثاً صفات (زملاء، جيران، رفقاء.. الخ)، والكثير من الفوضى المختبئة بإحكام في العقل الباطني الذي يتحكم بأبسط تفاصيل حياتك. وبعض النظريات المحكمة الصياغة علموك أن تتشبث بها ولا تطرح أي سؤال حتى لا يضيع ضياعك؛ لأنهم بالرغم من كلام فاطرنا الذي لا يكاد يخلو من "أفلا يتدبرون"، "أفلا يتفكرون"، "أفلا يعقلون" كانوا على دراية بأن "التفكير" فعل متعب ومشوش ومؤرق ويحتاج للكثير من الوحدة والتأمل والجرأة على السؤال، وللأسف يقول المثل: "من جهل الشيء عاداه".. ومن جهل التفكير والتأمل جهل بالضرورة انعكاساتهما.

والتفكير أبسط مما يتصوره أعداؤه، لا يدور حول طريقة "صنع قبعة ثينك التي فور وضعها فوق رأسك تصبح قادرا على التحكم في مزاجك بفضل الموجات التي تصل الى دماغك"، أو "سوار بافلوك الذي يعمل بالصدمة الكهربائية حتى يخلصك من عادتك البافلوفية التي تحرمك لذة الحياة"، او لا قدر الله "الدبدوب تيدي الذي يسجل عن بعد درجة حرارة طفلك والغرفة التي ينام فيها ويقيس وتيرة نظم قلبه"، بل بكل بساطة... ان تبدأ في التفكير بطريقة عيشك، وهدفك من الحياة و... الكثير الكثير من الأسئلة الوجدانية التي قد يبدع كل واحد فينا في طرحها على نفسه اذا ما فتح تلك النافذة الصدئة التي شمعت منذ صغرك حتى اصبح السؤال عندنا شبه محظور.

فمنذ ولادتك علموك ان تحترم وتتقيد بعادات وتقاليد أجداد أجدادك.. وأن تتكلم وتفكر بالطريقة نفسها لتحافظ على ما اختلفت تسميته: هوية أو مجتمع أو (... املأ الفراغ)، فمثلاً أن تسأل (أيّاً كان سنك): لماذا نعيش رغم أننا سنموت في النهاية الامر؟ وماذا عن النهاية؟ ولماذا أنا بالذات يحصل معي هذا؟ وأين أنا من كل هذا العالم؟ وماذا عن الله؟ فستجد إجابات كلاسيكية مترهلة منمقة ببعض الأمثال الشعبية التي يرددها الأغلبية "بلا فهامة" والتي قد تضحكك من سؤالك لبرهة من الزمن لتجده يطفو من جديد وتجد رغبتك في معرفة الإجابات تزيد يوما بعد يوم، حيث إنك لا تجد أحدا، يخبرك انه وجب ان تشتغل على نفسك.. أن تأخذ الوقت الكافي لتتعرف عليها حتى تحبها وتعرف متى يجب تدليلها وكيف عليك كبحها او نهرها؟ وما الوسائل والأدوات التي تلزمك لمهمتك الدنيوية التي لا تفتأ تفرغ منها؟!

ولا تجد من يدلك على فيديوهات او كتب لمصطفى محمود ليخاطب عقلك الباطني ويفسر لك بطريقة مبسطة وعلمية جميع تساؤلاتك بل ويتطرق لأخرى كنت قد قمعتها لأسباب قَبَليّة وراثية تجهلها وتحملها معك طيلة حياتك!

فقد عُلب عقلك وطبع عليه "علامة مسجلة" حتى لا تضيع ولا تهيم عن مسار القطيع وتعرف مصير البطة السوداء المنبوذة، ويتم نفيك اجتماعيا لأنك تجرأت على خرق حدود وهمية عمياء نُصِّبت لك من قبل حتى ان تأتي الى الحياة!

المهم.. قد يطول الحديث في هذا الموضوع، والأهم من كل هذا عبارة مصطفى محمود (من مؤلفه يوميات نص الليل) التي اختم بها كلامي "كل شخصية فيها امتياز.. فيها جانب تفوق.. فيها استعداد لشيء، فيها بذرة عبقرية، ولكنَّ هذه البذرة لا يفطن لها صاحبها ولا يكتشفها ولا يدركها فتضيع عليه.. ويُخيل له أنه إنسان عادي. ونحن في العادة نموت قبل أن نكتشف مواهبنا وقبل أن نتعرف على مميزاتنا، نموت بحسرة أننا أُناس عاديون".

فقبل أن يقترن اسمك بـ"رحمه الله" فَكِّرْ لتكون ما خُلقتَ لأجله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.