المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مشاري سعود Headshot

استراتيجية القوة الكامنة

تم النشر: تم التحديث:

في مسرح العمليات للأحداث الناشئة في بوتقة الواقع المعيش، ينصهر المرء في تموجاتٍ ذهنية عالية التردد تجعله واقعاً تحت تأثير تفاعلاته النفسية، السالب منها أو الإيجابي، فيضطر في بعض الأحايين إلى أن يعيد قراءة مشهد أحداث يومه المتراكمة من حدثٍ أو يعيد ربط الأحداث ببعضها؛ لكي يفهم ما معنى ردات الفعل المختلفة في مواضع متفرقةٍ في تفاصيل يومه.

وهذه المراجعات النفسية يستنتج منها العقل الباطن بأن هنالك حاجةً لرؤية جديدة لتركيبة نفسية تعطي دافعية نحو صنع قرار سليم ومفهوم صحيح في معترك الأطر الحياتية، فيتشكل من خلال هذه الرؤية استراتيجية متسلسلة من حيث المهام، وبعيدة المرام، نطلق عليها استراتيجية (القوة الكامنة) وتتمحور حول استخدام خاصية الصمت في مدلهمات بانوراما الذات وتموجاتها الإكلينيكية لتطبيعها في أوجه المعترك اللحظي الذي ينشئ ردة الفعل في أمر نازلٍ أو توجه مستقبلي في دوائر التعايش الإنساني بكل تجلياتها النفسانية والروحية فحين ندخل خاصية الصمت في هذه التموجات نهيئ أرضية مستوية للهدوء بالفضاء التفاعلي بين بني البشر؛ ليكيلوا وزن الكلم في دواخلهم قبل النفث به على نطاقٍ واسع.

ومن دقق النظر في سير الشخصيات التاريخية في العالمين القديم والحديث يلتمس جانباً من شخصياتهم، هذه القوة الكامنة، فنراهم يحيطون محيطهم العام والخاص بهالة من الغموض جراء امتلاكهم هذه القوة الكامنة التي تدفعهم نحو حواضن المجد الشخصي.

ولتكون الصورة أوضح للقارئ فإن هذه القوة الكامنة "الصمت" حين يُحسن استخدامها، فإنها تجلب السؤدد والرشاد في النقاط التي يحتار بها العقل الكامن في بؤر فلسفية عميقة الخيال، وتنشئ منارةً شديدة الأضواء على التفاصيل المبهمة من تلكم النقاط المُحيرة.

وعلى الوجه النقيض، فإن الاستخدام الخاطئ لهذه القوة من حيث تطبيقها من شخصية غير مثمرة في العطاء التفاعلي في بيئته الحاضنة، فإنها تدفعه نحو القيود المثبطة في تفاعلاته الروحية أو حتى الجسدية، فنراه عبارة عن كتلة لا تشغل حيزاً من فراغ، وهنا نستشعر خطورة هذه الاستراتيجية بشقيها الحسن والرديء، ولأجل ذلك علينا أن نتبع هذه الخطوات الثلاث؛ لكي تستقيم معنا هذه الاستراتيجية بشكل حسنٍ ومثمر وهي:

1- الحلول المُسبقة:
التبصر بمآثر بمن سبقونا في العيش في الأزمان الغابرة مع التمييز في مسببات ردات فعلهم في المواضع أو المواقف التي تعرضوا لها يعطينا نوعاً من (جزيئات حلولٍ جاهزة) تساعدنا على امتلاك بصيرة معرفية لكافة معترضات الحياة المتعددة والمتطورة كل حينٍ.

2- الاستماع الباطني:
حين يقع الإنسان على أوجه متناقضة في الرؤى، فإن ديناميكية العقل تتحرك على اتجاهات متعاكسة للبحث والتمحيص فتتراءى المشاهد بشكل أوضح فنحصل عندئذ على معطياتٍ تسير بنا إلى "الأمثل والأصح".

3- الأنا الخاوية:
تقنين الكبرياء المتوهج حين يُثار وتمزجه بطلاء الاتزان المستمر يُحدث مساحة للإعادة المستدامة لمجريات العناوين التي تطرأ كل فترة على عرش الأنا التي تُضاد كل من يهزها، فالتجريد من هذه المضادات ينتج محصولاً وافراً من "التقبل والواقعية".

فالفضاء الإنساني في المجتمعات المتحضرة في هذا العصر المخيف مشحونٌ بشكل واضح لكل ذي بصيرةٍ، بسبب السعي نحو هيمنة هُلامية يُرجى منها تحقيق غاية كانت روحية أو مصلحية بحتة، فحين نبعد هذا الفضاء باستراتيجية القوة الكامنة، نحدث في ملامساتنا العاطفية المجازية، إن صح القول، تطويراً في التلقي والعطاء اللذين يغفل عنهما كثير من الساعين نحو تنمية بشرية أو المصلحين الاجتماعيين، فنحصد في أم أعيننا ثمار التلاقي الإنساني الفطري في تعاملاتنا اليومية مع اختلافاتنا البيئية والعقدية أو حتى اللغوية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.