المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مريم بوجديد لحسن Headshot

معيشة ضنك

تم النشر: تم التحديث:

كصديقاتها أنهت دراستها وتخرجت، حصلت على وظيفة براتب شهري جيد، ملأت خزانة ملابسها بأفخر أنواع ماركات الملابس ومساحيق التجميل، اشترت سيارة لامعة وبعدها حصلت على حساب بنكي للتوفير.

كانت تعود للمنزل متعبةً من ساعات العمل الطويلة تُحيي والديها تحية باردة ثم تتجه لفراشها، هكذا كانت تقضي أيام الأسبوع ما عدا عطلة نهاية الأسبوع؛ حيث تلتقي بصديقاتها فيمضين وقتهن في التفاخر واستعراض كل واحدة منهن لملابسها والمنتجات الغالية التي اقتنينها ليختمن أمسيتهن بالتحدث عن الشباب الوسيمين والتعليق على صورهم على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لعل إحداهن تفلح في محاولة الإيقاع بأحدهم.

أما هو فكان كأي شاب استلطفه الحظ وبسط له كفَّيه من بين العديد من الشباب الذين لم يبتسم لهم القدر وأصبحوا يلتحفون غطاء العطالة، وسيم، له مركز وظيفي مرموق له سيارة وشقة خاصة به.

أخبرته والدته عن شابة في مقتبل العمر لها وظيفة، جميلة الملامح وذات قوام ممشوق، والأهم من كل هذا أنها تنتمي لعائلة ذات نسب ومركز اجتماعي مشرف؛ ليتناسبوا وإياهم، لم يمانع بتاتاً، ولم يعترض على الأمر.

حدثتها والدتها عن عريس جاهز طرق باب بيتهم لم تتردد، فهي لم تنتظر شريك الحياة المناسب الذي سيشاركها أحلامها وطموحاتها ويأخذ بيدها، فهذا ليس ضمن اهتماماتها ولم يكن أبداً في يوم من الأيام.

هو كان بمثابة عريس لقطة بامتياز كامل ومكمول، وصفقة مربحة لن تستغني عنها، وفرصة لا تعوض للخلاص من لقب عانس يمكن أن يقترن باسمها إن هي بقيت على حالها إلى حين بلوغ الثلاثين، وأيضاً للهروب من نظرات الجيران التي تشعرها بالنقص بالرغم مما وصلت إليه، ولأن من صديقاتها من تزوجت فاختارت أن تفعل نفس الشيء، لتنضم لسربهن ليزداد تفاخرها عن الذي كان من ذي قبل.

أما هي فكانت بالنسبة له وسيلةً لوضع حد لمضايقات والدته التي لا تكف عن إزعاجه في كل مناسبة بضرورة زواجه وإنجاب أطفال يرثون اسمه، والأهم كان لا بد له من الحصول على زوجة يجدها في أجمل حالاتها حين يعود للمنزل ليلاً تحضر له الطعام وتنجب له أطفالاً، وترافقه لحفلات المساء التي يطغى عليها طابع البروتوكولات كما يفعل أصدقاؤه عادة.

كلاهما كان صفقة مربحة للآخر، وافق كل منهما على الآخر، فأمضيا على عقد حياتهما وأصبحا زوجاً وزوجة.

مع مرور الوقت صار كل منهما مهماً للآخر فهو كان يسد حاجاتها المادية، وهي كانت تلبي رغباته في الفراش ليلاً.

لم تجمعهما قط سجادة صلاة، لم يسبح هو على أصابعها ولم تخشع هي لصوته أثناء الصلاة، لم يختما القرآن معاً ولو مرة.

لم يستطِع أي منهما أن يرى الطفل القابع بداخل الآخر، فكلاهما كان يضع قناع الجدية والالتزام والمسؤولية ولم يسمحا لأي لحظة مرح أو طفولة أن تقتحم حياتهما.

لم يدركا أن معنى الحياة لا يقتصر على سقف منزل راقٍ، أو مجمع يشع بالابتسامات الصفراء الزائفة، وإنما معناها أن تجد مَن يشبه روحك إلى حد كبير، مَن يعتني بتفاصيلك الصغيرة حين لا تقوى أنت على الاعتناء بنفسك، مَن يجدك في أسوأ حالاتك ولا يستطيع الاستغناء عنك، مَن يكتفي بك أنت دون الجميع، مَن يحاول النفاذ إلى أعماق روحك عله يجد ضالته.

كان يجمعهما ميثاق اجتماعي أبعد ما يكون إلى الحب والمودة والرحمة، لم يعيشا من أجلهما بل لأجل المجتمع، لأجل تعليقاته السخيفة التي لن تنتهي وسلطويته الزائدة عن الحد، لأجل نظرة الناس التي لن يملأها الرضا مهما حدث.

لأجل أن يرضي كل منهما غيره، دون أن يرضي نفسه أولاً، هكذا كانت حياتهما، وعلى هذا النحو عاشا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.