المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مرفت عمر Headshot

الفصحى وَتينُنا

تم النشر: تم التحديث:

الوَتِين هو الشُريان الرَئيسي الذي يُغذي جسم الإنسان بالدم النقي الخَارج مِن القلب، وإذا انقطع مات صاحبه، وهو طبياً يسمي الأورطي، كذلك الجَسد العربي وَتِينُه لُغتنا العَربية التي تَرويه بِهَويته وإنسَانيته، وإذا اندثرت لُغتنا سَقط الجَسد العربي وفَقَدنا هَويتنا، ولن أتحدث عَن تَاريخ لُغتنا العربية؛ لأن الكل يَعيه ويُدركه حُسن الإِدراك، كَفَاها شَرفاً أنها لُغة تَنزل بِها القُرآن الكَريم، فقال الله تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"، فَزادت به دِقة في التَعبير، ورقياً في الأداء، وضُمن لها الخُلود، فحتى يومنا هذا يفسر العلماء القرآن الكريم قدر الذي توصل إليه العلم والتكنولوجيا؛ لأن كل كَلمة فِي كِتاب الله تَحمل في طَياتها عُلوماً بأكملها.

لكن السؤال الذي يحوم حول خاطري: أين اللغة العربية من العلوم الحديثة في عصرنا الحالي؟

نحن نرى الآن اللغة الإنكليزية هي اللغة العلمية الأولى التي تَتلفّظ بها الأبحاث والرسائل العلمية، وذلك في رأيي ليس تقليلاً للغة العربية، بل إعلاءً لها؛ لأنه من الصعب على العَجم التعبير باللُغة العَربية كتابةً ونطقاً، أما العَرب من العُلماء والبَاحثين فيَسهُل عليهم التَعبير باللُغة الإنكليزية كتابةً ونطقاً، فبذلك يَلتقِي العِلم تَحت قُبة وَاحدة.

ولكَن ما يَستوقفني هو العُلماء العَرب ذَاتُهم فَكُل عَالِم يَتَقوقع فِي صَومعته العِلمية ولا يَنبثق منها إلا ليذهب إلى تِلك القبة المتفوه أصحابها بالإنكليزية ولا يَتجلى بِعلمه إلى عامة الناس من العرب أو من علماء آخرون في مجالات مختلفة، فكل عَالِم مُتخَصص في مجاله لا يدرك من التخصص الآخر غير كلمات مُبَعثرة لا تُغني ولا تُسمن من جُوع، ومِن حَق كل مِنا أن يقرأ من العُلوم ما يَجعله يَترقى بثقافته؛ لأن الثقافة لبنة هامة في البناء الفكري لكل فرد منا، فهي التي تُنعش العقل، وتُثري الروح، وتُعلي الفكر.

ولا أقصد مكانة اللغة من الأدب، فالكُتّاب والأدباء العرب أزهروا حياتنا بأعمالهم الأدبية من روايات وأشعار ومقالات، ولكن أتطرق إلى اللغة العِلمية التي تَسرد الأدبيات العِلمية، أي العُلوم البَحتة المُعقدة بِشكل مُبسط يَروق للقَارئ العَربي لتُشكل جُزءاً مِن ثقافته العِلمية.

اللغة العربية نُحِييهَا فَتُحيِينا

يجب على العلماء العرب أن يَشقّوا على أنفسهم في سَرد الأدبيات العلمية حتى يكتمل دورهم ولا يَشُوبه شَائِبة؛ حيثُ تُعتبر تِلك الأدبيات العِلمية هي المَصدر الرئيسي لرقي ثقافة العرب العلمية، التي تُمكنهم من التواصل الفكري مع العالم أجمع، فبكِتابة كل عَالِم مُتخصص بعضاً من الأدبيات العلمية يجعل من علمه جزءاً من ثقافة كل عربي، فيشرح أحدث ما توصل إليه العلم الحديث في مجاله، مبسطاً ذلك في كلمات تُسلط الضوء على الجديد دون الدخول في تفاصيل علمية معقدة.

ولذلك في رأيي يجب أن يكون لكل عالم عربي عباءتان علميتان واحدة يرتديها وهو يخاطب العالم الأعجمي، فيصدر أبحاثه العلمية وكتبه المُتخصصة ويناقش الرسائل العملية ويحضر المؤتمرات العالمية وله كل الحق في أن يتفوهه بالإنكليزية، مخاطباً هذا العالم بلغته، وعلى الجانب الآخر يُخاطب العَالم العربي مُرتدياً عَباءة مُزركشة بِحروف عربية فصيحة ومُرَصعة بلؤلؤ مَنثور تَلمع فيه هَويته العَربية بِلسان فَصيح وَاضح البَيان والتِبيان.

فبذلك نُحيي اللغة العربية في المَجال العِلمي بدلاً من أن تُنفَى تحت غبار سَحيِق وننساها في زِحَام التكنولوجيا والعولمة وعندها نَتَذوق العِلم بملعقة ذهبية بريقها يفوق الشمس عند ضحاها، فتُحِيي لغتنا العربية بنا قواعد العلم والثقافة؛ لنلحق بركب التقدم الذي لحق به العالم أجمع.

من الغزو الفكري إلى التواصل الفكري

وعندما تُحِيي اللغة العربية عقولنا فثَمّ خُروجنا من دائرة الغزو الفكري لندخل دائرة أخرى من التواصل الفكري مع العالم، فنسير في مساره ونلازم تقدمه ورقيه؛ لأن الغزو الفكري ضيق الخناق على ثقافتنا العلمية وهويتنا العربية، فصرنا ننطق بما ينطق به العالم، وننساق وراء أفكار غربية تستقطع من هويتنا، وإذا استمر الحال هكذا سنجد عروبتنا يوماً اختبأت وراء باب صدئ قفله فلا لنا أن نفتحه ولا لنا أن نراها.

والخطأ الذي يسقط فيه العلماء العرب سهواً هو اقتصار علمهم على إحدى القبتين؛ إما القبة الأعجمية المُتفوه أصحابها بالإنكليزية، أو القُبة العَربية فقط، وفي الحاَلتين ظُلم للعالم العَربي؛ لأن الاقتصَار على القبة الأعجمية يحَجب العلم عن العالم العربي، ولو تقوقع العلماء في القبة العربية فقط، فبذلك سيفقد العرب من التواصل مع العالم.

مشرفة بادر بالفصحى

وقد تطرق إلى ذلك مِن أمد بعيد الدكتور علي مصطفى مشرفة عندما دعا إلى تعريب العلوم في كافة المجالات؛ ليسهل على القارئ العربي التواصل الفكري مع العلوم الحديثة، وأيضاً لإحياء اللغة العربية؛ حيث إن العلوم التي خُطَّت باللغة العربية كانت السبيل والمرجع لعلوم أوروبا ونهضتها بعدما كادت تغرق في ظلام جهلها وتخلفها، وذلك مثل كتب الرازي في الطب والهندسة والرياضيات، وخالد بن يزيد بن معاوية في الكيمياء، وابن سينا في الفلك والفلسفة، وأيضاً الزهراوي أول الجراحين، وقد تمت ترجمة كتب العلماء العرب في ذلك الوقت إلى اللاتينية، فشكلت بذلك كيان الفكر الأوروبي.

وقد طبق ذلك بالفعل الدكتور علي مصطفى مشرفة فكان أنبغ العلماء في مجاله، بشهادة الغربيين أنفسهم، إلا أن هويته لم تسقط عنه في ظل الأعباء العلمية الملقاة على كاهله، فقد كان له مؤلفات عربية تسرد أحدث ما توصل إليه العلم، وذلك للقارئ غير المتخصص؛ لأنه كان يرى أن من حقه عليه أن يبلغه علمه بالطريقة التي يسهل عليه فهمها، والتي تمكنه من التواصل الفكري مع العلوم الحديثة، فلا ينعزل عن العالم الخارجي؛ بل يشارك فيه فكرياً.

وفي النهاية أقول: عندما نرى اعوجاج ألسنة العجم عند النطق بالعربية نحمد الله تعالى أن ألسنتنا قد استقامت بها.

آن الأوَان يا فُصِحَى أن تُنِيرِي ** زَمِاننا والعِلمُ بِك يَتَنرنمُ
اقرأ قَالهَا جِبرِيل لمُحِمَدٍ أمراً ** والله بجَلالِه هُو الأَكرَمُ
أُغرودَة في سَماء الله أنَتِ ** وغَيرُ النَاطِق بك هو الأبكَمُ
أَنَرتِ عُصور الظَلام عِلماً ** وسُحقاً لمَن بِغير ذَلك يَتَوهمُ
وَتِينُ قُلوبنَا يَا فُصِحَى حُبك ** فِيها والله بِذلك أعَلمُ
وهَيِهَات قَسا عَلينا البُعد عَنك ** وعُقولنا بِغَيرك تَتَعلمُ
ولكن رفقاً بِعَجم تَحت قُبة ** العِلم أَفواههم بِك لا تُطِعَم
أنَت شَمسُ دُنياَنا وهُدى ** الرَحمَن إِلينا وَأنت المَغانِمُ

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.