المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منة الله جلال  Headshot

رضوى عاشور.. اقتراح بوجود حياة أفضل

تم النشر: تم التحديث:

"الحياة واسعة وضيقة.. لما نكون فيها نزرع ونقلع ونربي ونكبّر ونشيل ونحط ونروح ونرجع ونطلع وننزل ونحب ونكره ونحمل الهم وننتظر الفرج، تكون واسعة. ولأنا فيها عن يميننا ناس وشمالنا ناس وفوقنا وتحتنا ناس، الكل مهموم أو فرحان والكل فيها.. تبقى واسعة. ولو وقفنا بعيد، نقول ضيقة مثل خرم الإبرة، ونقول إيه يعنى نعيش عشان نموت، ونبني والبنا نهايته هدد، ونعمر والريح تاخد، ونكبّر ونفتح كفوفنا نلاقيها فاضية.. أنا باقول لما نعيشها نشوفها واسعة حتى لو ضاقت، ولما نفكر فيها من بعيد نشوفها ضيقة وخانقة وبلا معنى ولا لزوم".
رضوى عاشور - فرج

في العلاقة بين الكاتب والقارئ، نستسلم أحياناً لإغراء الأدب وما يثيره فينا كقراء من شعور القرب تجاه الأديب، بانسياب تام لا تعكّره محاولات السؤال أو شك تجاه هذا الشعور، ليس لأنه غير حقيقي؛ بل لأنه "قرب" مختلف، ندرك حدوده، ونتصالح فيه مع واقع أننا ربما لا نعرف ذاك الأديب حق المعرفة، ربما لا نعرفه تماماً، ولا نسعى لذلك.. لكن كلماته رسمت حدود عالم آخر خارج عالمنا، عالم واسع من المرايا والظلال، من العتمة والنور، ليس فيه سوانا، نحن وكاتبه.. الكاتب الذي عرفناه حق المعرفة في عالم آخر، وإن لم نكن قد عرفناه حقاً.

حين أفكر في رضوى عاشور، أقول لنفسي: لم أقرأ كل ما كتبت، لم أرَها ولو مرة وإن جمعنا المكان والزمان عدّة مرات ولم أعرف ذلك سوى بعد مرورهما. لم أحضّر دراسات حول أدبها وأفكارها وأعمالها، ولم أكن، بأي حال من الأحوال؛ تلميذة لها.

لكن حين أفكر في رضوى، أفكر فيها بوصفها امرأة حكيمة تشبه الجنيّات في العوالم المسحورة، ألقاها بعد سير مُضنٍّ في غابة موحشة، حين قررت التوقف عن المسير؛ تلقاني في حبور بعينين يسيل منهما حنان وعذوبة وبساطة الأمهات، وقلب واسع ذاق مرارة الهزيمة وقسوتها؛ لتخبرني بأنني لم أعرف الحياة وطرقها الواسعة بعد؛ لتحثني على السير في الطرقات التي يختارها قلبي حتى النهاية، بمقاومة قسوة الواقع وهزائمه، وبتبني هذه المقاومة باعتبارها "حياة"، بدلاً من موت الوقوف والغرق في ظلمات اليأس والتيئيس.

كان ذلك في الأيام التي بدأ فيها جيلنا يتجرّع قسوة الهزيمة بعدما "مسّه الحُلم مرة"، وغُيّبت عنه معانٍ عاش وقاتل من أجلها ولإعلائها سنوات، فآثر السلامة بالاحتجاب عنها، أو تكذيبها ووصفها بالزيف، أو التوقف مأسوفاً عليه عند لحظات بعينها، بلا أي رغبة في المضيّ، وحنين يكاد يفتك به في ظلمة واقع لا يعرف ما يحن إليه.

في تلك الأيام، قرأت رواية "فرج"، لم تكن المرة الأولى التي أقرأ فيها عملاً لرضوى عاشور، ولا أذكر لِم أجّلت قراءة الرواية على معرفتي بها، ولو كانت قراءتي لها في وقت سابق لم أكن لأرى ما فيها وأستشعره بذلك القدر، ولم تكن لتُحدِث فيّ الأثر الذي جعلني بعد ذلك؛ أسير كالمجذوبة أوصي كل من أعرفه بقراءتها، أتحدث عنها مع كل من تنساب الكلمات أمامهم، أحكي عن رضوى عاشور وأروى صالح، عن الهزيمة والمقاومة، عن ندى عبد القادر وعمتها، وعن الحياة "الواسعة" و"الضيقة".

تحكي الرواية عن "ندى عبد القادر" فتاة تنتمي لجيل الحركة الطلابية في السبعينات، عاشت ورأت وذاقت مرارة الظلم منذ طفولتها، تمر السنون وتنساب الحكايات، شخصيات تغدو وتروح، بمرور عابر لا يُذكر، وأخرى يظل حضورها طاغياً يأبى النسيان، تتجرع ندى، هي الأخرى؛ ككل جيلها مرارة الهزيمة، ولا تتوقف الحكاية عن لحظة "الحلم" أو قسوة السقوط بعد الاستيقاظ منه، بل تعيش، وتعيش حتى النهاية، وتستمر الحكاية.

أذكر بعد ذلك، حين قرأت سيرة رضوى عاشور "أثقل من رضوى"، التي حارت واضطربت هي نفسها في وصفها بين المذكرات والسيرة الذاتية؛ تعجبت من أنها لم تورد تلك السنين في سيرتها، بل لم تتعرض ولو بالإشارة لما عايشته من أحداث في حياتها الخاصة، والتي يعلم أغلب قرائها كم هي زاخرة بالمعاني والمشاعر والمقاومة المستمرة وزخم الحياة على مستويات عدّة.

كان النصيب الأكبر في سيرتها للثورة المصرية وما تلاها وعاشته من أحداث أثناء كتابتها للعمل، أثقلت سيرتها بالتفاصيل عن يومها، ومن حولها من بشر، بعض القصاصات المتناثرة من الماضي هنا وهناك.

لم تتلبس رضوى عباءة العجوز الحكيم، كان الاضطراب والقلق باديين في كلماتها، أقول لنفسي لو أرادت تتويج مسعاها حقاً بسيرة ذاتية تليق بحياتها لأعلت من كل اللحظات التي "مسّها فيها الحلم مرة".

حين أنهيت الكتاب، استشعرت أن رضوى لم تكتب سيرتها عن نفسها أو من أجلها، بل لجيل تخشى عليه قسوة الهزيمة، تصف الكتابة بأنها "محاولة استعادة إرادة منفية"، وتقول عن أعمالها الروائية إنها "محاولة للتعامل مع الهزيمة".

لاحقت رضوى الحلم في كل تفاصيل حياتها ولم تكتفِ بلحظة من زمن مضى، يكفي أنها عاشته لتعيش الآن مرة أخرى، تعيش وتعيش بحكاية مستمرة لا تتوقف.

كان ذلك جلياً في وصفها لأيامها الأخيرة، ورؤيتها للتفاصيل في حياتها الواسعة، التي يأتي وصف عمّة ندى عبد القادر في رواية فرج امتثالاً لها: "نزرع ونقلع ونربي ونكبّر ونشيل ونحط ونروح ونرجع ونطلع وننزل ونحب ونكره ونحمل الهم وننتظر الفرج، تكون واسعة. ولأنا فيها عن يميننا ناس وشمالنا ناس وفوقنا وتحتنا ناس، الكل مهموم أو فرحان والكل فيها.. تبقى واسعة".

لم تتوقف عن مقاومة الهزيمة في حياتها قبل أعمالها الروائية حتى آخر أيامها، أتعجب من ذلك، وأرى في كلماتها اضطراب وهشاشة وقلق فتاة في العشرينات، وقلب أم وحكمة أستاذة في الستينات، أبتسم من تناقضات البشر، والحياة التي ما زالت تطوي فيها ما لا أعرفه وأختبره بعد.

أحاول رسم صورة لها في مخيلتي كجنيّة في عالم مسحور ألقاها في غابة موحشة، ولا أستطيع؛ لا تشبه العجوزات الحكيمات، ولا ساحرات أفلام الكارتون المبهرجات، ليست امرأة ريفية بسيطة ولا نسوية تنويرية تتباهى بعقلها، لم تكن تشبه إلا نفسها، وهذا يكفي لأشيد معها عالم ساحر من المعاني بلا أي صور وتجريدات.

حين قال عنها تميم البرغوثي: "رضوى عاشور اقتراح بوجود بشر أفضل"، كان يصف رضوى التي لا أعرفها، ولا أدعي معرفتها، كانت له بذاتها "اقتراح بوجود بشر أفضل"، وكانت لي كالجنيات في عالم مسحور.

الآن، أفكر فيها، في مسعاها، كلماتها، وكلمات كل من أعانوني على السير في الطرقات بلا توقف، كل من فتحوا لي أبواباً للعيش حتى النهاية، للتجاوز، للإيمان بالحياة، وبأنهم جميعهم "اقتراح بوجود حياة أفضل..." ليس لأنها بذاتها تحتمل الأفضلية، لكن لأننا وحدنا بخياراتنا نملك أن نعيش بما هو أفضل؛ كاقتراح، وبكلمات رضوى: "لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا..".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.