المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ملكون ملكون Headshot

ليالي السُقْمِ في فيينا

تم النشر: تم التحديث:

جنيف... موسكو... والآن فيينا.... لطالما ارتبطت فيينا في الذاكرة العربية بالأغنية الشهيرة للراحلة السورية "أسمهان" التي تغنت بـــ "ليالي الأنس في فيينا" ،ولم تكن تدري حينها أن وطنها سيصبح ذبيحاً على طاولة في فندق في فيينا، وأن أهل بلدها سيغنون بمرارة "ليالي السقم في فيينا".

أكثر من 16 دولة ومنظمة عالمية تجتمع لتعلن غيرتها ومحبتها وحرصها على سوريا، وسوريا بكل أطرافها غائبة عن كل ذلك، فلكل طرف من يمثله، ومن يحرص على "مكاسبه "، لكن من المؤكد أن الجميع بحثوا وتجادلوا وتناقشوا واختلفوا واتفقوا على المحافظة على مصالحهم الخاصة على حساب عداد الموت السوري الذي لا يتوقف، فما الضير من فيينا 2 و 3 و 10 لطالما أن الموت مستمر والأهداف لم تتحقق بعد.

عندما عُقدت اتفاقية الهدنة في الزبداني وكفريا والفوعة بغياب السوريين وحضور الإيرانيين والأتراك، كان التساؤل خافتاً: أين السوريون مما يجري على أرضهم؟؟.

فتوسعت قاعدة المتحاورين حول سوريا ومستقبلها لتضم الجميع فبات الأمر مهيناً لنا جميعاً، لأن السوري لم يعد ينتظر الدخان الأبيض ينبعث من مداخن جنيف أو موسكو أو فيينا لإنهاء الأفق الأسود الذي يحيط ببلد نهشته الحرب الأهلية، فلم يعد مهماً صخب الصور و التصريحات والخلافات والصفقات والشعارات والأجندات والكواليس... كل ذلك لم يعد مهماً لمن بقي في سوريا وعلى أرضها أو بات بعيداً عنها يقاسي الأمرّين لأن السواد الذي يلف الأفق حجب الرؤية عما يُخطط و يدّبر و يُتفق عليه أو يُختلف عليه -لا فرق- ،فالناس يجدون حلولاً فردية لأزماتهم اليومية كأنهم يتامى لا أحد يلتفت لرعايتهم ولا لبلسمة جراحهم، فهم يلهثون خلف همومهم اليومية وشوقهم وحنينهم وغربتهم وتغربهم وبردهم وجوعهم في ديارهم محاولين تجنب مَن يتربص لنهش ضوء العين والرصيد الإنساني والوطني.

و يتساءل الجميع بحرقة ومرارة....

متى نصبح في أجندة من باعونا أوهام المواطنة والأوطان التي باتت افتراضية ليس إلا.... حتى التشبث بترابها بات افتراضياً بل محط تخوين وتكفير الجميع إن تململ الناس وأعلنوا عن تعبهم وعن نفاذ رصيدهم من الصبر.

يحدثونك عن مفاوضات وحوارات وموائد مستديرة، لكن لا أحد يرغب بها لأن الجميع يتنصلون منها ويتهربون ويضعون العصي في دواليبها لأنهم مستفيدون من إطالة أمد الخراب والدمار و الدماء والمجازر وتعميق الأحقاد وتحطيم الجسور التي يمكن أن تبنى لرأب الصدع في البنية الاجتماعية.
يحدثونك عن الأمل ولا أحد يشرع نافذته بل أصبح الإعلان عن طول مدة الأزمة وابتعاد الحل محط سباق بين كل الأطراف التي لا تتوانى عن القول إن الحل بعيد المدى وإن الأزمة ستطول وتطول.

يحدثونك عن الوطنية وهم قد حفروا شروخاً داخل الإنسان السوري المحكوم بالتخوين والإقصاء والاتهامات المتبادلة والانقسامات الحادة والتسميات الغريبة، مَن بقي في الداخل يخوّن مَن خرج، والعكس يحدث أيضاً، وتناسى الجميع أن يتفقوا على مَن أمعن في ذلهم و امتهانهم وتاجر بوجعهم حتى النهاية.

السوري لم يعد يتوقع حلاً لمعاناته لأنه متيقن أن لا رغبة لديهم في الحل وأن في رصيد الألم السوري بقية ليغرف منه أباطرة الحرب المزيد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.