المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ملكون ملكون Headshot

DNA داعش و المثقفون

تم النشر: تم التحديث:

في أزمنة صعبة وكارثية تصبح الكتابة جريمة يقترفها الكاتب، ويتفقد أصابعه كل ليلة، فيجد ألم الناس مطبوعاً على أديمها، ولا قدرة لديه على غسل يديه من دماء حروفه .

وفي هذا الزمان السوري الكارثي لم يبقَ قناع إلا وسقط في رمال الطائفية والمذهبية والإثنية القذرة التي لن تبقي ولن تذرَ، ولن تقوم قائمة للبلد بعدها لأنها وباء استشرى في كل الجسد السوري بلا استثناء .

أقنعة المثقفين كانت أول من سقط كاشفاً عن طائفية ومذهبية ينحني أمامها ما يسمى "داعش"، ولا تستغربوا أنني أعتبرها تسمية ليس إلا، لأن مَن يمتلك الصفات "الداعشية" ليس من الضرورة بمكان أن يحمل نفس الشكل والملامح، بل الأهم هو الفكر الذي يحمله ويتبناه ويقيّم الآخرين وفق هذا الفكر، فقد يكون "الداعشي" مثقفاً بنظارة طبية وحقيبة جلدية لا تحوي إلا الخِواء، لكنه يمارس "داعشيته" بحق كل مَن لا يتوافق مع توجهه وتحالفاته ومموليه.

ولعل هذه الــ DNA الداعشية التي يحملها المثقف هي نتاج سنوات طويلة من "الشيزوفرينيا" التي عانى منها المثقف السوري، ففي الوقت الذي كان فيه النشر في الصفحات الثقافية والملاحق الثقافية الأسبوعية، والإصدارات الكثيرة لوزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب من مجلات وصحف، الكل كانوا يبحثون عن فضاء للنشر لكن معظم من طرق باب هذه الصحف والمجلات وجد مسؤولين عن هذه الإصدارات تقلّدوا مناصبهم في غفلة من الزمن لأنهم يمتلكون صفات معينة لا يمتلكها غيرهم، ولكي لا نعمم فإن الكثيرين كانوا بحاجة لتقديم الهدايا أو التنازل عن المكافأة الزهيدة المنشورة للمسؤول عن الصفحة أو الملحق ليتم النشر، وإذا تجرأ كاتب شاب أو غير مَرضي عنه وتقدم بمخطوط كتابه لاتحاد الكتاب العرب أو وزارة الثقافة فإن الرفض جاهز، ومقصلة لجنة القراءة جاهزة، في حين تقتات الفئران على مطبوعات لكتب لا تستحق القراءة وجدت طريقها للطباعة لاعتبارات لا علاقة لها بالقيمة الأدبية أو الإبداعية .

هكذا مضى الزمن الصعب على المثقفين السوريين، وجاء الزمن الأصعب، وغادر البلد من غادر، وبقي من بقي، لكن الحال لم يتغير، وانتقلت الشللية والمحسوبية للخارج مع "غالبية" من انتقلوا حاملين معهم مركّبات النقص المتورمة لعقود عانوا فيها من الإقصاء والتهميش، فسلك معظمهم الطريق نفسه عندما أصبح مسؤولاً عن النشر في هذا الموقع أو تلك المطبوعة، وبات الفرز عنده على أسس جديدة "المواقف.. الآراء... الطائفة..."، وربما المدينة السورية التي أتيت منها، لكل شيء حساباته الدقيقة، فالـــ DNA الداعشية "شغالة" ولا ترحم، وفي لحظة ما يشيح المثقف بوجهه عن الرأي والرأي الآخر، وحرية التعبير، والاختلاف لا يفسد للود قضية، والوحدة الوطنية "المؤودة".

من الدروس لم نتعلم، ومن سنوات الموت العجاف لم نتعظ، ومن رمال الإقصاء المتحركة لم ننجُ... فهل بقي في جعبة الدهشة ما يُدهشنا؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.