المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ملكون ملكون Headshot

!فوضى الخرائط والزحام الجوي ؟

تم النشر: تم التحديث:

لم نكن نتوقع أن نصل لقناعات مؤلمة كالتي وصلنا لها بعد خمس سنوات من المأساة السورية، وأن نلجأ لنحتمي بأصعب الحلول وأقساها علينا كسوريين بعد أن فشل الجميع في إطلاق دخان أبيض ننتظره تنفثه مدخنة المأساة تعيد بعضاً من الأمل للشعب المشرد في شتاتٍ "مصنّع" عن سابق تصور وتصميم.

قبل مائة عام جلس الشخصان الأكثر تأثيراً في الذاكرة الشرقية فيما تلا ذلك من سنواتٍ عجاف، المدعوان "سايكس وبيكو"، وتناولا إفطاراً خفيفاً، وامتشق كل منهما مسطرة وقلماً، وبدآ يخطان خطوطاً لمصالحهما وتطلعاتهما ليؤسسا لما تلا من خيبات وانكسارات وصراعات وتناحرات.

ومنذ عام 1915 ارتبط هذان الاسمان "سايكس وبيكو" في الذاكرة الشرقية بالألم والوجع وحكاية "الكعكة" التي تقاسمها الاستعمار، فتم استخدام كل ذلك كشماعة لكثير من الأخطاء والخطايا، ونسج الطغاة والمفسدون في الأرض على منوالهما، واحتموا بظلهما على الأرض.

"سايكس وبيكو" تقاسما الكعكة لكنهما لم يؤسّسا لعهود من الظلم والجور والأقبية المظلمة والقمع والخوف وتكميم الأفواه، ولم يدركا يومها أننا سنصل بعد مائة عام على إفطارهما الخفيف ذاك لمرحلة نقول فيها "سقى الله أيامكما"، ففي ظل فوضى الخرائط التي تحفل بها الصحف والمواقع الإلكترونية والمخططات والأحلام الانفصالية والطموحات التقسيمية، أصبحنا حائرين مسيّرين لا مخيّرين ما بين تقسيم جغرافي وتقسيم ديمغرافي، وما بين حروب الحدود فيما سيلي التقسيم، أو بقاء الحال على ما هو عليه من قتل وذبح وتشرد وتهجير وشتات وتيه.

ومنذ أن انتشر قبل سنواتٍ خلت مصطلح "الفوضى الخلاّقة" توجس الجميع واعتبروها شراَ مستطيراً، لأنها ستحمل معها الويل والثبور وعظائم الأمور، فلوّحوا لنا بها كبعبعٍ بديل لهم، ولكن في سنوات المأساة السورية تجاوزنا "الفوضى الخلاّقة" بمراحل، وأصبحت بريئة من "فوضانا" المذهلة، ففي السماء زحام جوي غير مسبوق "طائرات من مختلف الجنسيات تقصف هنا وهناك وتلقي بحممها ولكل منها أجندته الخاصة"، الحدود باتت ذكرى ومشرعة لمن يريد أن يمارس مذهبيته وطائفيته وحربه "المقدسة"، فيعبر الحدود منّضماً لفوضى الجنسيات والألوان والأجندات والمصالح والأحقاد المتصارعة على الأرض السورية.

وسط فوضى الخرائط والزحام الجوي، وسيل الدماء الذي لا يتوقف، وعدّاد القتل اليومي المُرْهَقْ من قتلانا.. ماذا تبقّى للسوري سِوى هذا البحر ليعبر منه ناجياً من مجزرة الخرائط والأحقاد، محتمياً بغربته ووجعه من التخوين الذي يلاحقه أينما اتجه، والوعيد بالحساب العسير مِمَن بقي في سوريا يُحصي أعداد المهاجرين وأرقام القتلى ويوزّع شهادات الوطنية التي باتت وجهة نظر ليس إلا في زمن المأساة السورية ؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.