المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مقداد خليل Headshot

الطفل الأصفر

تم النشر: تم التحديث:

كنا في حديقةٍ على ساحل بحيرة نشاهدُ طفلنا يتخفّفُ من ضجره في دائرة التسلية والألعاب المزدحمة بالأطفال والأولاد، وفي محيطهم الأهلون يراقبون من المقاعد. صبيٌّ تبلبلَ من خلفي راكضاً مضرّجاً بطميٍ عفنٍ متدافَعٍ من جسمه مع الاهتزاز الفاقد للتوازن، فبوغتُّ بلطخاتٍ على ذراعي ورقبتي وكتفي من الوراء وظهري. لحظةٌ خاطفةٌ صنعت كلَّ ذلك وأسبغَت حيرةً عليَّ، كان منظر الصبيّ غيرَ مستوعَبٍ، متّفقاً مع مشهد كلبٍ صادفتُه منذ أيام في الحديقة عينها عندما جرى ملطَّخَ فراء البطن، وكانت امرأةٌ شقراء معتدّة بذاتها مثلما بدا ومتغطرسة تتربّص بحلبة الألعاب صاحَت بها طفلتُها الممتلئة عن درّاجتها: "أمي... أمي"- كان الكلب قريباً من المرأة مهرولاً- فأزمعَت لنداء طفلتها وفوجئت بالحيوان الملطّخ، اندفعَت خلفاً وصرخَت، من ثمّ تمالكت زمامَ نفسها وتفحّصَت محيط الناظرين في لمحة. عرفتُ بأنّ جورةً مموَّهةً بالعشب حُفرَت وامتلأت بالماء الآسن وراءَ المقعد حيث جلستُ. اللطخات فوق كتفي أعادت من تلقائها إلى ذاكرتي قصيدةً لبريخت,كان الحدث المفصليّ فيها طبعُ علامةٍ بباطنِ يدٍ ممرّغةٍ بالطباشير على ظهور المقترَح احتجازهم ثائرين أو مضربين من قبل عميلٍ متنكّرٍ بينهم أثناء المظاهرات. قصيدةٌ ذكيّة من بريخت، متّسمة بالحيوية، كُتبَت بطابعٍ قصصي، الساردُ امرأةٌ خادم مياومة، صادفَ أن عملت لرجل أمن ألماني، قضت وإيّاه أياماً فأحبّته. كان يحدّثها بما يجري معه، وأحياناً يروي قصصاً قديمة على أسماعها، وهي تحبّه وحسب، وتستمتع بكلّ شيء.

ممّا حكاه لها أنّه كان يُكلّف أثناء فترات إضراب العاملين والطليعة الثوريّة بالاندماج في حماسة المتجمهرين موفِّزاً أنظارَه وملاحظاته ليستدلّ على أكثر الشباب اندفاعاً وتأثيراً فيربت بكفّه الطباشيريّة على ظهورهم كنوع من الرضى والامتنان والتشجيع، وعندما ينتهون يحضر رجالُ الأمن ويسوقون بدونما تردّد الموسومين بختمٍ أبيض (يد بيضاء) على متونهم. شيئاً فشيئاً يستولي الرجلُ على حياة الخادم الشابّة، يستحوذ على ممتلكاتها البسيطة، ويتكتّم على دفتر ملاحظاتها الذي استعاره منها. تتوتّر المرأة بمرور الوقت، تتحوّل المتعة إلى عذاب، وفي موقف الاحتداد الأكبر بينهما يحاول الرجل تهدئتها فيربت على ظهرها، إلّا أنّها توخَزُ بالتربيت، تتبادر إلى خاطرها عادتُه في الإبلاغ عن متزعّمي النشاط الثوري، فتفرّ بجلدها وهي تستبين جلدَ معطفها حيث لَمسَت كفُّه.

بقع الطمي في الحديقة أعادت إليّ قصيدةَ بريخت، إلّا أنّ الأمرَ لا ينتهي هنا. وبريخت يوصلني بمأساةٍ طويلة عاشها (الحرب العظمى) و(النزوح الطويل) كتبَ في إحدى قصائده أنّه بالمصادفة بقيَ حيّاً دون أصحابه، وبأنّه بذلك قد كره نفسَه.

تاريخ ألمانيا الحديث ما زالت عقدتُه (الفوهرر). الألمان يتجنّبون في العموم تجاذب الأحاديث عن الحرب العظمى وعن الزعيم الأشهر للنازيّة، على أنّي سمعتُ مؤخّراً بدعاية في التلفزيون لصالح سيّارة ألمانيّة أحدث ميزاتها أنّها تتجنّب صدمَ أيِّ مجسَّمٍ تصادفه فتكبح عجلاتها من تلقائها. في الدعاية يظهرُ أطفالٌ متهوّرون يحاولون الاحتيال على تقنية السيارة، فلا تسقط في الخطأ، غير أنها تصدمُ طفلاً واحداً يتبيّن بأنه (أدولف هتلر).

ميزةعالية ومساهمة في الحفاظ على الأرواح، ولكنّ الدعاية لها ذاتُ فلسفة قاسية. السماع بهذه السيارة وما عرض من أجلها في الشاشات حرّضَ في ذهني صعودَ الشخصية عينها (أدولف هتلر) إنّما بحسٍّ جمالي مناقض، وبفلسفة أخلاقيّة مؤثّرة. إحدى قصص (بوتزاتي) إن لم أخطئ في نسبة القصّة لصاحبها روَت أنه في حديقةٍ ما كانت امرأةٌ تجلس في مقعدٍ هادئةً تمضي الساعات في النسج، وطفلُها الأصفرُ مثل ليمونةٍ -وقد لقّبه الأطفالُ بها- غريبٌ معزولٌ ضعيفُ الجسد، لا يجدُ فرصةً للمشاركة في الألعاب والمصاحبة.

الأطفالُ أجمعوا ذلك النهار فيما بينهم على أن يضمّوه إليهم في لعبة الحرب، فانقسموا إلى فصيلتين متناحرتين من بعدٍ بطلقات لا تؤذي (ربما من طين). في الحديقة تلٌّ ضئيل يتيحُ المناورةَ وإضفاءَ التشويق على المعركة. شجّعَ عناصرُ الفصيلة الطفلَ الواهنَ (ليمونة)، فاكتسبَ الحماسة المطلوبة لخوض هذه اللعبة صارخاً، وحينها انقضَّ عليه الأطفالُ من الطرفين (المعادي والصديق)، فأدموه وأشبعوا وجهَه وجسمَه تمريغاً في الوحال. أمّه من مقعدها الثابت نادته إذ جاءها بدمه ووحله: "بنيَّ أدولف".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.