المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ميمد شعلان Headshot

الدعاية الرمادية

تم النشر: تم التحديث:

الدعاية السياسية هي التي لا تخدع الناس فحسب، لكنها تساعدهم على خداع أنفسهم أيضاً، وبمعنى آخر هي الدعاية الرمادية التي تصبو إليها أعيننا اليوم بين أركان الأنظمة الشمولية.

قد يتصور البعض أن ذلك من ضروب الخيال، وأن ما يقال هو الحقائق وليس غيرها، لكن في واقع الأمر هي أفكار شعواء تهدف إلى هدم القيم وتسخير الشعوب تحت أقدام حكوماتها، وتتبني الكوادر البشرية والإعلامية الصفوف الأولى في نشر سمومها من خلال أجهزة الإعلام المختلفة بشكل صارخ ومنعدم من المروءة والشرف المهني في سبيل خدمة مصالحها أو أجنداتها الخاصة.

جوزيف غوبلز.. هذا الصغير المكّير لم يتوانَ لحظة في خدمة الفوهرر من خلال ألاعيبه الدعائية في كسب تأييد الألمان للمشروع النازي وحزبه السياسي، ولا أخفي عليكم سراً استطاع أن يكسب تعاطف الجموع وثقة القائد في حنكته المروعة.

كان خبيراً في صك المعاني وصياغة الوقائع وتوليف المكائد بغرض التأثير السيكولوجي بعيداً عن أي اهتمامات أخرى.

لعب غوبلز دوراً مخيفاً في ترويج فكرة النازية لدى الشعوب وبطريقة فائقة الذكاء، وهذا ما جعل أدولف هتلر يكتب في وصيته قبيل وفاته أن يكون مستشاراً للرايخ.

ثيودور هرتزل.. أب الصهيونية السياسية الحديثة لم يكن في معزل ليتعلم اللغة العبرية، لكنه كان مولعاً بتوطيد واستيطان مشروع الخلافة بأرض الميعاد وعاصمتها أورشليم، وذلك بعد تعرّض اليهود في أوروبا للكراهية والامتعاض المدقع من أباطرة وملوك وسلاطين المغرب والمشرق، فخلص إلى تحقيق وطن جديد، سواء بالكتابة أو بالخطابة أو من خلال الاتصال بالسياسيين وأصحاب القرار.

قال في كتابه (دولة اليهود.. محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية): إنه طالما بقي اليهود في أوروبا الرأسمالية، فاتهم سيتعرضون للاضطهاد المستمر بسبب منافستهم الاقتصادية لأوروبا، والحل في ذلك هو بإقامة دولة لهم في فلسطين.

ليون تروتسكي.. مؤسس الجيش الأحمر ورفيق لينين اللذين استخدما البراهين التاريخية والعلمية لإقناع الأقلية المثقفة.

وضع تروتسكي الإطار العام لنظرية (الثورة الدائمة)، التي تعتبر واحدة من ألمع المساهمات في النظرية الماركسية، فقد أوضح تروتسكي ضرورة تبني قضية الأرض التي ستجعل من نقل السلطة إلى أيدي الطبقة التي ستقود الفلاحين ضد القيصرية أسهل بكثير، بعكس ما كان يظنه المناشفة كون الثورة ديمقراطية برجوازية والتي يجعلها عاجزة عن لعب دور ثوري.

أثبت تروتسكي كونه الوحيد الذي أكد بجرأة ووضوح الحاجة إلى ثورة اشتراكية في روسيا.

حسنين هيكل.. لم يكن صحفياً يكتب رأيه فحسب، أو مؤرخاً؛ إنما أحد صناع أبشع هزيمة في القرن العشرين وأحد مروجي الفكر الناصري.

في كتابه (لمصر لا لعبدالناصر) ظهرت ازدواجيته، حيث امتدح الراحل أنور السادات على حساب الأول، وبعد حادثة المنصة الشهيرة أصدر هيكل بعدها كتابه الأشهر (خريف الغضب)، فلم يترك عيباً واحداً أمام الرأي العام حتى لون بشرة السادات حتى لحقها الاتهام، وبعد خلع مبارك، أصدر كتاباً آخر بعنوان (مبارك وزمانه.. من المنصة إلى الميدان)، فقد قال عن عصر مبارك أكثر مما قاله مالك في الخمر وأكثر.

فرج فودة.. طالب كلية الزراعة الذي تحول في ليلة وضحاها لأحد منظّري العلمانية في مصر، وكان من أكثرهم رغبة في تحويل العقول لأدوات في معجمه لطمس معالم مصر بعد سقوط الخلافة العثمانية قديماً.

تناول في كتابه (الحقيقة الغائبة) خطايا الخلافة الراشدة والأموية والعباسية وتقديمها لحقائق غائبة يسعى الإسلاميون لإخفائها والاكتفاء بالوجه المشرق بها فقط، كما اعتبر أن الشريعة وسيلة وليست غاية.

نجد بما تقتضيه الضرورة بأن ما شمله هذا الكتاب من تأويلات وأفكار هي مخططات لاذعة لا تمس التاريخ أو الواقع بشيء، بل تطاول على قامات تاريخية وعبقرية الرسول (صلى الله عليه وسلم)، مما اعتبره علماء الأزهر مرتداً.

في جميع دول العالم تحكمت الدعاية السياسية بالإعلام الإذاعي والمتلفز والورقي من خلال مقالات افتتاحية نارية وبيانات ضارية وأناشيد وأهازيج لاذعة؛ بل وأصبحت أقلام الكتاب والمفكرين أسلحة حرب تفتك الجبهات وتقصف ميادين الحرية.

تبين لنا أن الدعاية الرمادية متلازمة لسلوك يتبنى خطاباً لأهداف غير واضحة، وهي بهذا تفيد مجموعة الأساليب والتوجهات الأيديولوجية التي تسعى لإقناع الشعوب بمثالية المواقف التي يتبناها مخطط سياسي ما، إلا أنها تختلف من حيث وسائلها وأهدافها ومعاييرها باختلاف طبيعة النظام الشمولي الذي يمارسه، والدعاية التي تستهدف صياغة تصورات لدى المتلقّي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.