المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مدحت محسن محمد Headshot

ماذا لو كانت أم كلثوم معلمة؟

تم النشر: تم التحديث:

حينما أسمع صوت أم كلثوم، تتجسد أمامي ما تتغنى به من لوعة الاشتياق، وبُعد الفراق، والصراع الدائر بينها وبين نفسها في الخصام، وكيف لعزة نفسها أن تسيطر عليها وتمنعها من أن تعود لحبيبها.

فإذا شاهدتها وهي تغنّي، وتمعنت قليلاً في ملامح وجهها وانفعالاتها لن تستطيع أن تسرح بعيداً عنها، فتصبح أسيراً لما تقول وتشاهد، ويكأنها سحرت أعين الجمهور، ليس لجمال شكلها، ولكن لجمال إبداعها.

ولكونى معلماً، دائماً أتمنى لو كان لي نفس حضور أم كلثُوم بين الطلاب، وأشرد بخيالي لأرى نفسي في منتصف الفصل، ولينظر إليَّ الطلاب بنفس نظرات الإعجاب، ويستمعوا إليَّ ويكأن على رؤوسهم الطير.

فماذا لو كانت أم كلثوم معلمة؟
تبدأ أم كلثوم بعمل warm-up تهيئة للدرس بصورة رائعة، فتأخذ الفرقة بعمل مقدمة موسيقية تتميز بالتناغم والإبداع، يظهر منها مدى قوة العمل الجماعى والإعداد الجيد الذي بُذل من أجل هذا الدرس. فيدخل المستمع "الطالب" في حالة استعداد وانتظار بشغف للكلمات التي ستخالطها تلك الألحان، وكيفية أدائها وجمال منطقها.

وبعد ذلك، تبدأ أم كلثوم بمقدمة تتدرج فيها بنبرة هادئة تأخذ في العلو بشكل منفرد وموسيقى خافتة تتخللها ألحان العود والقانون والكامنجة، وفي مقدمتها، تضع ملخصاً عاماً لأهداف الدرس، الذي من خلاله يدرك المستمع لُبَّ المشكلة التي يجب أن تصل لحل لها أو الدرس المراد شرحه للطلاب، حين تشاهدها، ترى حركات يديها، فتبسطها حين تتحدث عن "أمل حياتي" ويتحرك جسدها كله بعنفوان حين تقول "بس النهارده، خليني أعيش.. خليني جنبك خليني" ليس فقط لغة الجسد body language ولكن لمخارجها الصوتية في نطقها لكلمة "خليني جنبك خليني" التي بدأت بها في التقديم للدرس presentation، وحينها تدخل الموسيقى لتتناغم مع الكلمات، فتتحول من مشاعر الرجاء إلى مشاعر الفرح والتمني، ومن شدة إعجاب "الطلاب" يطلبون إعادة ما سبق شرحه، رغم أنها لم تبدأ بعد!

وتعود لـ"فات الميعاد" وتراها تقول: "ياما كنت أتمنى أقابلك بابتسامة، أو بنظرة حب أو كلمة ملامة"، وتعيد تكرار كلمة "ياما"؛ لتصبح كلمة مفتاحية keyword وتشدد عليها ويكأنها تقول للطلاب: "ركزوا على الكلمة دي"، دون أن تقول لهم ذلك، فأسلوب نطقها للكلمة ونبرة الحسرة والحزن، واللحن المصاحب، يجعل الجميع يركز على أنه "والزمن بينسي حزن وفرح ياما" وعليه، دونوا هذا في ذاكرتكم أو كراساتكم كلاً حسب جرحه، ولا تحزنوا على ما فات، فستائر النسيان نزلت منذ زمن وانتهى الأمر، فقط تعلموا من الماضي لحاضركم.

وتطرح سؤالاً وتقول للطلاب: "هو صحيح الهوى غلاب؟ / معرفش أنا، والهجر قالوا مرار وعذاب واليوم بسنة؟"، وترى نفيها استنكارياً للأمر برمته فلا تعرف عن الهوى مثل ذلك، ولكن يبقى السؤال: من منكم مر بتلك التجربة؟ وتكمل لتطرح لهم تجربتها عن الهوى، وأتخيل أسلوب التدريس المصاحب لهذا السؤال سيكون think, pair, share أي يفكر الطلاب، ويتبادلون الخبرات ثم يشاركونها مع الجميع في أسلوب نقاش قائم على الخبرة.

وأعود وأتساءل: لماذا تطرح السؤال رغم أنها تقول "جاني الهوى من غير مواعيد، وكل ما ده حلاوته تزيد" فتراها تتدارك الأمر وتعود لتصحح رأيها بناء على "التجريب experimentation" وليس فقط الكلام النظري، وتقول: "محسبش يوم هياخدني بعيد، يمنّي قلبي بالأفراح، وارجع وقلبي كله جراح، إزاي يا ترى.. أهو ده اللي جرى.. وأنا أنا أنا أنا معرفش أنا"، وتمد في قولها.. بعيد.. وترجع وتذكر الطلاب بأسلوب حلزوني spiral في طرح الأفكار لكلمة "معرفش أنا".. ولكن تتحول نبرتها من استنكار خبري، لاستنكار تعجبي لفجاعة ما مرت به، وأنها لم تصدق ما قالوا في بادئ الأمر عن الهوى، ولكن التجربة تنفي أو تؤكد صحة النظرية.

وتنهي أم كلثوم درسها بالإغلاق closure وفيه تعطي ملخصاً للدرس، وتسترجع فيه أهم النقاط فتقول "خاصمتك بيني وبين روحي" مسبوقة بآه وتوجع غيّر من بيئة التعلم المصاحب، نقلت بها مشاعرها الداخلية لجميع الطلاب.

وتختم بقولها: "بدي أشكيلك من نار حبي، بدي أحكيلك ع اللي ف قلبي.. وأقولك ع اللي سهرني وأقولك ع اللي بكاني وأقول يا قلبي ليه تبكي وليه يا.. نفسي.. مانعاني" وتراها حين ذكرت قلبها تقدمت خطوة، وحين ذكرت نفسها تراجعت خطوة، فقلبها يدفعها لأن تحكي وتقول، وعلى النقيض نفسها الأبية التي تخاف منها وتحسب لها ألف حساب.

حتى إغلاق الدرس انتهى بسؤال "وليه يا نفسي منعاني؟" مستخدمة أسلوب العصف الذهني brainstorming فأعطت للطلاب "فرضاً منزلياً homework" يقومون به دون أن تقول لهم حلوا هذا السؤال.. فطرحها كان تعجباً هي نفسها لم تستطِع أن تعثر على إجابة، فمن منكم يعرف لي ماذا بي؟ وحينها سينمو التفكير الناقد للطلاب critical thinking ولكي يصلوا لإجابة يجب أن يجروا مزيداً من البحث والاستقصاء عن الأسباب inquiry based learning مضاف إليهم جزء من خطوات البحث ألا وهي تجميع البيانات data collection التي علِموها من معلمتهم، يبقى الطرف الأخر والبدء في وضع فرضيات للحل وتجريبها والتحقق من صحتها، وعليه يُحل اللغز، وينهي الصراع الدائر بينها وبين نفسها.

هذا ويجب التأكيد على أنها لم تعطِ "فرضاً منزلياً" بقدر ما هي أعطت "تحدياً challenge"، فالأصل ليس الفرض للوصول للمعلومة، بقدر ما هو استثارة فكر المتعلم للوصول للمعلومة بنفسه دون إلزام عليه، والغرض بث روح التعلم الذاتي لدى الطلاب autonomy.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.