المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مدحت محسن محمد Headshot

مدارس "STEM".. فرس الرهان القادم

تم النشر: تم التحديث:

قبل أن أخوض تجربة الالتحاق بمدارس STEM، درّست للمرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية، سواء في قطاع عام أو خاص، وأعلم جيداً مدى أثر ما تعلمه طفل ظل قرابة 11 عاماً منذ رياض الأطفال وهو يردد وراء الـ"مِس" (آي كابتال.. آي سمول)، وحتى المرحلة الإعدادية، علماً أن الصواب هو (capital A - small a)، أي ما يتعلمه خطأ، "ما علينا"، إلا أن جُل ما تعلمه الطفل منذ رياض الأطفال وحتى مرحلة التعليم الجامعي لم يتجاوز مرحلة (آي كابتال.. آي سمول)!

الهدف من التعليم هو تنمية مهارات التفكير المختلفة، التي تتدرج من الأقل للأعلى (التذكر - الفهم - التطبيق - التحليل - التقويم - التركيب).

والتدرج يأتي من مهارات التفكير البسيطة، التي تتمثل في التذكر والفهم والتطبيق، بينما يطلق على التحليل والتقويم والتركيب مهارات التفكير العليا.

وليس هدف التعليم فقط ثقل الطالب بالمادة العلمية المتخمة بها الكتب، ولكن انعكاس المفاهيم التي يتعلمها على حياته العملية، أو بمعنى آخر، الرقي بالإنسان ليصبح إنساناً صالحاً يفيد نفسه ومجتمعه والعالم أجمع (كلام شيك ليس له صلة مباشرة بالواقع المصري).

فكيف يقاس إذاً مستوى التحصيل لدى طالب مرحلة التعليم الأساسي؟ هل عن طريق التجريب.. الاختراع.. عمل المشروعات؟ الإجابة: "ولا حاجة من دول".. يقاس عن طريق الحفظ والاسترجاع في ورقة الامتحان النظرية حتى في مواد الرياضيات والعلوم والتي من المفترض أن تكون (عملية)، وأضف إليها عنق الزجاجة -الثانوية العامة- والمرحلة الجامعية.

فما موقع مهارات التفكير العليا من تلك المرحلة؟
المهارات العليا تتطلب من المتعلم أن يفكر بشكل أعمق فيما هو أمامه، ويسأل نفسه: (ماذا، ومتى، وأين، وكيف، ولماذا؟) مضافاً إليها أسئلة المقارنة والتحليل والتفسير، وكلنا نعلم أن هذه الأنماط من الأسئلة موجودة فعلياً في الكتب الدراسية، هي بالفعل موجودة لسد الفجوة بين الواقع النظري والتعلم النمطي مقابل الجانب العملي، وكل ما يقوم به المتعلم هو حفظ الإجابة نصاً واستدعاؤها في ورقة الاختبار، حتى مع المواد العلمية كالفيزياء والكيمياء يطبق الطالب نفس الآلية "حفظ، فتذكر، فاستدعاء"، والنتيجة: طالب حاصل على 100% وعبقري زمانه.

وأتساءل لو طلبنا من اثنين من الطهاة أن يقوما بعمل طبقين من الأرز، فهل سيتشابه الطعم؟ وكذلك حين يعقد المتعلم التجربة بنفسه ويتوصل للنتيجة ويأخذ في تحليلها والتعرف على ماهية النتائج، ويأخذ في تعديل التجربة للوصول للنتيجة المرجوة، حينها فقط يمكن أن تُفعّل مهارات التفكير العليا بصورة حقيقية، وحينها ستختفي الإجابة النموذجية، والـ100 %.

نظام STEM بين الواقع والمأمول
الكثير منا يجهل أن هناك في مصر نظاماً تم تطبيقه منذ أكثر من 5 سنوات اسمه STEM وهذه الأربعة حروف اختصار لأربع كلمات science - technology - engineering - math وأصبح مسمى المدرسة، مدرسة المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا، وهي مدرسة ثانوية بدأت بمدرسة واحدة، مدرسة 6 أكتوبر للبنين، ثم المعادي للبنات، ثم تلتها بعد ذلك سلسلة من المدارس في مختلف المحافظات وصلت إلى 11 مدرسة، وفي طريقها للتوسع.

ومدارس المتفوقين هي مدارس حكومية مجانية، يلتحق بها متفوقو المرحلة الإعدادية، ويتم عمل اختبارات قبول لهم لانتقاء الأفضل منهم وتحقيقاً لمبدأ العدالة والشفافية في الاختيار.

عند دخول الطالب المدرسة يتسلم "لابتوب" يعمل به أثناء دراسته؛ حيث إن دراسته تعتمد بشكل أساسي عليه، ولا يوجد كتب، فقط نواتج تعلم يسعى الطالب إلى أن يلم بها، ودور المعلم ميسر ومرشد أكثر منه محاضراً، أو كما وصفوه باللغة الإنكليزية "The teacher is a guide on the side, not a sage on the stage"

أما عن العملية التعليمية، فتتميز تلك المنظومة بأنها تتمحور حول الطالب في كونه باحثاً دائماً عن المعرفة وليس فقط متلقياً؛ حيث تقوم دراسته على البحث والتجريب وعمل المشروعات، والتقويم في النظام يقوم بشكل أساسي على قياس مقدار استيعابه لنواتج التعلم في صورة عملية من خلال مشروع يقوم الطالب بتنفيذه تحت مسمى Capstone وسط فريق عمل مكون من 3 إلى 5 طلاب.

ومن خلاله يتعلم الطالب مهارات كثيرة منها التفكير الإبداعي والناقد، والعمل الجماعي، ومهارات العرض والتقديم، ومهارات المحاجة والنقاش، ومهارت البحث العلمي، وفوق ذلك، يتعلم نواتج التعلم التي من خلالها يقوم بعمل المشروع الذي تتكامل فيه المواد الدراسية مع بعضها تحت تحدّ -يسعى فيه الطالب لطرح حل يساعد في التغلب عليه- من تحديات مصر الكبرى مثل الازدحام المروري أو التلوث أو مشكلات الطاقة أو تنقية المياه وغيرها.

طلاب مدارس "المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا" STEM
في نظر المجتمع، يعد طلاب مدارس المتفوقين من أذكى وأمهر وأحسن طلاب الجمهورية، طبقاً لنتائجهم في المرحلة الإعدادية، وأتفق معهم، هم بالفعل متفوقون في الحفظ والاسترجاع انتهاء بالتطبيق، أما عن باقي مهارات التفكير العليا التي سبق ذكرها، فهو ما زال مبتدئاً فيها، وعليه هو ليس إلا طالباً عادياً يتعلم بأسلوب مختلف يستثير فيه مهارات تفكير لم تُختبر بعد، وحين يُختبر في بادئ الأمر لا يحصل على الـ100% التي حصل عليها في مراحل تعليمه السابقة، وغالباً لن يحصل عليها! ليس الطالب فقط، والمعلم أيضاً، ففكرة المعلم "الجهبذ" والطالب "الألفا" ليست في قاموس STEM.

فيدخل المعلم أو الطالب مشبعاً بفكر معين كان فيه الأول على فصله وينظر له المجتمع على أنه الأفضل على الإطلاق، وما إن يصطدم بالنظام، أو بالأحرى يصطدم بالعلم، والأصل فيه استمرارية التعلم، إلا ويجد نفسه ضئيلاً أمامه.

ويتساءل القارئ وأتساءل كما تساءل الصحابة رضوان عليهم: "يا رسول الله، أي الناس أعلم؟ قال: مَن جمع علم الناس إلى علمه، وكل طالب علم غرثان (أي جائع). وعلى غراره، قال ستيف جوبز، مؤسس شركة آبل: "Stay foolish, stay hungry" وكذلك أقولها لنفسي ولكم ولطلابي.

وختاماً، إن كانت تجربة STEM تقوم في الأساس على ربط التعليم بتحديات تواجه مصر، فالأولى أن نضع في الحسبان أن التعليم في حد ذاته هو أكبر تحدٍّ يواجه الوطن، وأقول: ما إن صلح، صلح الجسد كله، وما إن فسد، فسد الجسد كله.