المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مازن مطبقاني Headshot

بعض الإخفاق في حياتي

تم النشر: تم التحديث:

لا يحب الناس أن يتحدثوا عن محطات الإخفاق أو الفشل (وإخفاق أصح)، ولكني أجد متعة في الوقوف بها كوقوف الشعراء القدامى بالأطلال. ولكن هل أخفقت في حياتي؟ أو كم مرّة أخفقت في حياتي؟ كثير، وإليكموها:

المحطة الأولى: الدراسة الجامعية:
حصلت على بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة لدراسة الإدارة الصناعية، فلم أعرف ما الإدارة الصناعية، بل لم أفكر فيها لأنني كنت أميل إلى تلبية رغبات الأهل أن أصبح طبيبًا أو مهندسًا، ودرست الرياضيات والكيمياء والأحياء والتشريح وعلم النبات وتاريخ العلوم والتربية الرياضية أو التعليم البدني وغيرها، ولكنني كلما درست المواد العلمية تأكد لي أنني لا أريد أن أصبح لا طبيبًا ولا مهندسًا، ثم توجهت إلى دراسة الأدب الإنجليزي والكتابة بصفة خاصة، ولكن طال علي الأمد وأنا أحاول الحصول على مؤهل دراسي، وقد مضى خمس سنوات على البعثة، فقررت أنني ضد الشهادات وضد التصنيف. وتمردت على الشهادات ورجعت بلا شهادة جامعية ولا دبلوم ولا يحزنون. فصدمت بواقع لا يعترف بعلم ولا قدرات، وإنما يعترف بالشهادات. حصلت على وظيفة في الخطوط الجوية السعودية، وقال لي فني الأشعة: الذين يفشلون في الدراسة يأتون للعمل في الخطوط! وهنا علمت أنه لا بد من الشهادة، فبدأت منتسبًا في قسم التاريخ، فحصلت على درجتي البكالوريوس والماجستير. ثم التحقت بكلية الدعوة لدراسة الدكتوراه في الاستشراق فحصلت على أول درجة دكتوراه في هذا المجال، وكانت الرسالة الأولى إنجازًا وأول رسالة كذلك نشرًا حيث كان النشر في مكتبة الملك فهد الوطنية بعد عام واحد فقط من مناقشتها.

فهكذا كانت عودتي من البعثة الدراسية بلا شهادة، مصاعب و(مرمطة)الحصول على وظيفة جعلتني أسعى للحصول على أعلى الدرجات العلمية المتاحة محليًا.

المحطة الثانية: أن أكون ثريًا

أعرف أن الرزق مقسوم ومحدد، ولكن المال يمكن دائمًا تنميته واستثماره، فقد كان دخلي عاليًا في أوقات كثيرة، ولكن كنت كما يقول المثل يدي مخروقة، فلا أعرف كيف أجمع المال أو في الواقع جمعت بعض المال يومًا ما وتسلط علي صديق كان يبني بيته فأخذ ما عندي، وما استرجعته إلّا بالسكنى عنده في العمارة التي بناها بتحويشة العمر.

ومرت الأيام، يزيد المال وينقص ولكنه لا يتجمع. وكم هو جميل أن يعيش الإنسان في بحبوحة من العيش لا غنى يطغي ولا فقر يؤلم. وأحمد الله أنني استطعت أن أحقق بما يتيسر لي من رزق أهدافي العلمية، فأمتلك مكتبة جيدة وأسافر لحضور المؤتمرات حين تبخل الجامعات. ولعل المال المسكوب أو حتى المهدر كان لدفع أنواع النكد الذي كان يعترضني. ومع ذلك فكانت دعوة لوالدي رحمه الله ترن في أذني دائمًا (اللهم اجعل أوسع رزقي عند آخر عمري) فتحقق له، وأرجو أن يتحقق لي أنا أيضًا. وكان من أسباب عدم الثراء أنني ابتعدت عن أية ممارسات تجارية لأنني موقن باستحالة عملي في هذا المجال فلا مواهب ولا مرونة.

المحطة الثالثة: نجاح في عدم تعلم العزف

كان لنا في المدينة المنورة جار يعزف على آلة العود، ويغني وإن كان مغنيًا من الدرجة الرابعة، فغنى عدة أغنيات ولحّن له طارق عبد الحكيم وغيره، ولكنه فيما يبدو لي لم يشتهر. زرتهم في بيتهم الذي يبعد عن بيتنا بضعة أمتار لتعلم العزف أو لتعلم الغناء، ولا أذكر التفاصيل، ولكن يبدو أن الإخفاق كان حليفي، فلم يقل لي إن خامة صوتي لا تصلح للغناء أو إنه ليس عندي أذن موسيقية، ولكن لم تتحقق تلك الرغبة. والسبب في ظني أن غالبية الشعب -في أوائل الثمانينيات الهجرية (الستينيات الميلادية) -كان مولعًا بالغناء، وكانت المدارس تحتفي بالطلاب الذين يتقنون الغناء، وكانت الموسيقى تصدح في الإذاعة المدرسية، وكان الطلاب يحفظون الأغاني والكل يغني من الأب إلى أصغر طفل. وإن كنت سمعت أبي رحمه الله ينتقد حفلًا مدرسيًا لأنهم قدموا فيه طفلًا ليغني. فقد كانت موجة عاتية من البك أب (الأسطوانات) ثم ثورة الكاسيت التي استمرت سنوات وسنوات.

المحطة الرابعة: الإخفاق في الوصول إلى منصب كبير في الخطوط السعودية

عملت في مجال الطيران اثنتي عشرة سنة، انتقلت فيها من منصب مساعد إداري إلى مدير، ثم توقفت مع أنني أزعم قدرتي أن أكون مديرًا عامًا وتنفيذيًا، ولكن كان ينقصني بعض المهارات الاجتماعية، وبخاصة أنني سافرت في أكثر من وفد فكان يقال لي أنت المطوّع لا تخرج معنا الليلة! كما أنني لم أمتلك المواهب الاجتماعية في التعامل مع الرؤساء. فهل كان هذا إخفاقًا حقًا أو أنني كنت محظوظًا أن خرجت من الخطوط سالمًا معافى في بدني وديني لألتحق بالجامعة. كنت مؤهلًا للمناصب العليا في الخطوط السعودية فلدي قدرة كبيرة في اللغة الإنجليزية التي هي لغة الطيران العالمية، كما كنت (أكاديميًا) في بعض الجوانب بحرصي على قراءة التقارير والدراسات وألممت بعلم الطيران إلمامًا لا يتوفر للكثير.

المحطة الخامسة: الإخفاق في التعامل مع جامعة إسلامية

عندما كنت موظفًا في الخطوط السعودية، أزعجني كثير من مظاهر المادية والسعي وراء المتع والملذات حتى كتبت في مذكراتي كثيرًا عن أنني لا أطيق البقاء في هذا الجو. ولما أتيحت الفرصة لي لأنتقل إلى العمل في المعهد العالي للدعوة تخيلت أنني أنتقل إلى أجواء الصفاء والنقاء والطهر، بل بلغ بي الخيال أنني سأعيش جو الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. واكتشفت كم كنت خياليًا وحالمًا، فقد رأيت في الجامعة الإسلامية ما لم أره في الخطوط من الحسد والحقد والنميمة والكذب والظلم والاستبداد والقهر. لم أتعرض لموقف يقهرني في الخطوط، بل بكيت مرتين من القهر في الجامعة حين هددني عميد بطردي، وحين اتهمني ذلك العميد بأنني أسعى لهدم الدعوة الإسلامية. نعم أخفقت أن أفهم من وقت مبكر أنني بالغت في خيالي وأحلامي ولم أتعلم المرونة، وأن النجاح في كثير من الأحيان هو (أن تعرف من أين تؤكل الكتف)!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.