المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مايسة سلامة الناجي Headshot

بنكيران قص لحيته لتطمئن فرنسا على استثماراتها.. هل ستقص لوپين أظافرها لطمأنتنا على جاليتنا؟

تم النشر: تم التحديث:

نعم.. تتسع أعيننا وتنكمش جباهنا ونحن نقرأ عبر تعليقات مواقع التواصل الإجتماعي مدى الدعم الذي يلقاه المرشح الرئاسي الرأسمالي الملياردير الجمهوري دونالد ترامپ، رغم تصريحاته المتتالية ضد المهاجرين ـ اللاتينيين خاصة وعنصريته التي وصفت المكسيكيين منهم ب"المغتصبين"، ونحن نسمع التصفيقات الشرسة بعد أن طالب مسلمي أمريكا بوضع شارات لتمييزهم عن باقي المواطنين وأكد أن فور توليه الرئاسة سيضعهم في لوائح معطيات ويتتبع مشاويرهم ويراقبهم، واعدا أمريكا بأنه سيقبض على الدولة بقبضة من حديد ضد "الدخلاء" تحت شعار: أمريكا عظمى من جديد. ونرى الكم الهائل من الشتائم التي أصبح الأمريكيون يكيلون لأوباما الذي تحول فجأة ـ منذ تبني داعش لهجمات باريس لمرتين متتاليتين ـ من أيقونة يتمثل في أول رئيس أسود اخترق سياسة البيض ودخل بيتهم الأبيض، إلى "حسين" أوباما المسلم حامي الإرهاب عديم الوطنية.. بسبب اعتراضه عن التدخل الأرضي في سوريا وكسل حربه على الشرق الأوسط. ونتفاجأ من تثاقل حملة هيلاري حليفة المغرب، بسبب تركيزها على المرأة والمثليين والاحتباس الحراري وملفات حقوقية أصبحت تبدو من الكماليات أمام خوف الأمريكيين من "الإرهاب" والنكسة الاقتصادية.

نعم.. انقطعت أنفاسنا وتثاقلت حركتنا ونحن نقرأ أخبارا عاجلة عن فوز الحزب اليميني المتطرف الفرنسي بأولى نتائج الانتخابات الإقليمية، والفشل الذريع الذي أصاب مرشح المغرب نيكولا ساركوزي بعد استقباله في مراكش مع وفد حزبه ودعم المغرب لحملته بما أوتي من مال ومعلومة، ونرى بداية انهيار اليسار الفرنسي الذي اجتهد المغرب السنوات الأخيرة أيما اجتهاد لرأب الصدع مع ديبلوماسيته، ونجح في ذلك ـ متأخرا على ما يبدو!! نصعق ونحن نقرأ عن "مارين لوپين" وقومجيتها التي، ستزيد من السياسة التمييزية الفرنسية بين الفرنسيين الأصليين والمهاجرين، وأولادهم من الجيل الثالث، الذين رغم ولادتهم هناك وتجنسهم لازالت فرنسا تعتبرهم دخلاء على أساس العرق والدين واللون والدم. ونفكر في جالية مغربية تقرب المليونين، سيضطرون في الأيام القادمة إلى مواجهة إسلاموفوبيا بلغت أشدها.

لنفهم أن صناعة الإسلاموفوبيا والخوف من الإرهاب نجحت وبامتياز، لدرجة أصبح شعوب أكابر الديمقراطيات يصوتون للفاشية والقومجية وينتكسون بقيم التعايش التي بنوها لأجيال، لتحصين أنفسهم من المسلمين والمهاجرين بمبادئ التصفية العرقية ـ ليس تصفية دموية، إنما هي تصفية بالتضييق عليهم في الشارع العام، وعبر السفارات والقنصليات والإدارات.. تصفية نفسية وبيروقراطية.

وبعد زوال الصدمة الأولى.. نعود بالذاكرة وراء، أو نقرب النظر، لنجد أن نفس التخوف الذي أصاب فرنسا من صعود حزب بنكيران، الذي حمل لسنوات ملصق الحزب "الإخواني" / الإسلامي، يصيبنا اليوم من صعود حزب ماري لوپين "اليمين المتطرف الفرنسي"، أو من عودة الجمهوريين إلى البيت الأبيض.. ففي نهاية الأمر ما هي إلا أحزاب تتداول المؤسسات التنفيذية لتطبق أجندات وخطط طريق ترسمها لوبيات لا تتغير. ولنفهم أن الأجندة المستقبلية المرسومة هي: سحق المسلمين باسم محاربة الإرهاب وتخليص المهارجين من جنسياتهم وهوياتهم وأديانهم الأم في مقابل السماح لهم بالانتماء.

نعم، سيقول قائل رغم أن السياسات الكبرى العالمية اليوم هي من صياغة اللوبيات الاقتصادية.. لا مجال للمقارنة بين أحزاب مغربية مخترقة مخزنيا تتحرك في نظام ملكي حاكم (وليس رمزي)، وبين أحزاب فرنسية وأمريكية تتحرك في ملعب جمهوري قوي البنية والمؤسسات... وهذا صحيح طبعا..

ففي نظامنا الملكي لا تقترب الأحزاب بتاتا من السياسة الخارجية إلا بنداء من الداخلية، خير مثال وآخره اتصال وزير الداخلية محمد حصاد بعدد من أمناء الأحزاب للتوجه إلى السويد قصد تخفيف حدة الأزمة التي اشتدت في ملف الصحراء، وقد امتثل الأمناء للأمر كما امتثل المخلفون القواعد للصمت. وفيما يخص السياسات العمومية، فالمخزن: الملكية ومحيطها ومؤسساتها، يضع على رأس كل إدارة الشخص اللازم لتنفيذ أوامره بالطريقة التي يراها مناسبة لذلك، والدليل أيضا آخر ما حدث في الانتخابات الجهوية، إذ رغم نجاح حزب العدالة والتنمية في مختلف المدن واستعداده للتحالف مع الكل، غير أن التحالفات التي وُضعت في المزاد العلني وتداخل الأيدي واختلاطها لترتيب المشهد الجهوي جعل حزبا آخر يترأس أغلب الجهات. وفيما يخص الاقتصاد، يبقى الأمر رهينا بلعبة شد الحبل بين المؤسسة الملكية وصندوق النقد الدولي. يعني أن الأحزاب المغربية لادور لها على الإطلاق إلا للسخرة والتنفيذ. وتبقى التحالفات الخارجية وإملاءات صندوق النقد الدولي في مضاربة مع استقرار القصر ومصالحه، هي العوامل المسيرة للدولة المغربية.

لا مجال للمقارنة مع أحزاب فرنسا وأمريكا، التي رغم وجود أجندة خارجية تتحكم فيها اللوبيات الأمريكية اليهودية ترسم خططا على المدى البعيد، تقرر مدى تدخل الدول في الحروب الشرق أوسطية، وفي السيرورة العامة للاقتصاد.. غير أن التطبيق يختلف من حزب لآخر، ومن فرد لآخر حسب مدى تواطئ الأفراد مع تلك الأجندات العالمية، أو مدى وطنيتهم ومدى قربهم من الشعب. مثلا في أمريكا يختلف التطبيق بين الحزب الديمقراطي المسالم إلى حد بعيد والحزب الجمهوري التوسعي الإمپريالي الذي لا يومن إلا بالحروب وبحلم الشرق الأوسط الجديد الرهن التطبيق.. ويظهر هذا في تناوب رؤساء ديمقراطيين من كيندي إلى بيل كلينتون إلى أوباما ومدى دعمهم لقيام دولة فلسطين واستمرار عمليات السلام، ومدى ابتعادهم عن التدخل الأرضي في الحروب الشرق أوسطية، وقربهم من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة حيث نرى محاولة أوباما لتمرير أجندة التأمين الصحي أمام الكونڭريس المحشو باللوبيات المعارضة.. والتي باءت بالفشل، مقارنة مع الجمهوريين من بوش الأب وحرب الكويت والعراق، ثم بوش الإبن واستعمار العراق وأفغانستان، وبداية تنفيذ خارطة الشرق أوسط الجديد بإسقاط سوريا كما جاء في حوار مع الوزير الخارجية الفرنسي الأسبق رونالد دوما..

إذن فالأجندات الخارجية في نهاية الأمر تحكم، بدرجات متفاوته حسب قوة الأحزاب والقيادة.. ولكنها في نهاية الأمر تنفذ، ويبدو أن الأجندة القادمة والمعممة ضد المسلمين قيد التنفيذ وأن الأحزاب التي ستتبناها وجدت طريقها للصعود ودون حملة انتخابية باهظة، إذ الهجمات الإرهابية قامت بالواجب وأكثر!! لنتساءل هنا، وبسخرية: هل ستبرر فرنسا للمغرب صعود حزب قومجي متطرف، كما برر المخزن للعالم كله صعود العدالة والتنمية؟ هل ستطمئننا الدولة العميقة لفرنسا، مخابراتها ولوبياتها، على مهاجرينا ومسلمينا وجاليتنا هناك بأن لوپين لن تمس مصالحهم.. ... كما طمأن المخزن أمريكا وفرنسا والسعودية بأن حزب بنكيران لن يمس مصالح مستثمريهم. إلى أي حد لنا الحق كشعب في اختيار من يمثلنا ومن يحمينا، كما لهم الحق في استقبالنا وطردنا متى مس أمنهم.
وعلى سبيل الدعابة: فلتطرد الدولة أبسط شركة.. ولتخرج أمنديس إذن!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.