المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مايسة سلامة الناجي Headshot

المغاربة بين حربين: الحرب ضد الإرهاب، والحرب لأجل استكمال الاستقلال

تم النشر: تم التحديث:

اندلع جدل بين المغاربة النشطاء الفيسبوكيين عقب الحادث الإرهابي الأخير بباريس حول مسألة التضامن برفع العلم الفرنسي، خاصة أن وضع العلم الفرنسي تزامن مع عيد الاستقلال المغربي يومه 18 نوفمبر، عيد استقلال المغرب من المستعمر الفرنسي "سابقا" بجيوشه وعسكره، المستعمر حاليا بثقافته لدى ثلة من فروكوفنيي الفكر والسلوك والهوى.. المغاربة الأصل. ولما يشكله العلم من حساسية عند بقية "أولاد الشعب".

لا أحد ينكر أننا وصلنا مرحلة مع فرنسا.. من المفترض أن يكون الشعب المغربي قد تجاوز بعد 60 عاماً من الاستقلال عقدة المعمر الأجنبي، وقد بلغ عدد المهاجرين المغاربة وأولادهم من الجيل الثالث اليوم إلى مليونين و500 ألف مقيم ومتجنس، حسب المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية، وأن التعاون الأمني اليوم بلغ ذروته القصوى، بأن ـ حسب ما نشره موقع لو360 ونقلت عنه قنوات فرنسية ـ ساعدت المخابرات المغربية نظيرتها الفرنسية في العثور على مسكن مدبري الانفجار الإرهابي المتخندقين بسان دوني، ضاحية العاصمة الفرنسية باريس، بعد أن حل رجال من الأمن المغربي بفرنسا بطلب من السلطات الفرنسية. كما أن موقف فرنسا في ملف الصحراء يحسم الأمر في المجالس الأوروبية دائما لصالح المغرب، وأن فرنسا تظل أول مستثمر أجنبي بالمغرب، وثاني متعاون اقتصادي بعد بروز التعاون في قطاع السيارات بين البلدين عام 2014، حيث تستغل التموقع الجغرافي للمغرب لتتوسع في السوق الإفريقي، بما يمنحه المغرب لها من تخفيض في الضرائب ومواد أولية ويد عاملة رخيصة تأبى الحكومة الدفاع عن مصالحها وتأمين أوضاعها.

ولكن، فرنسا كبلد لازال يحاول أيضا التخلص من عقلية "فرانسافريك"، والمغرب كبلد لازال يحاول التخلص من عقلية التبعية، عقبت محاولات استثمار الرأسماليين المغاربة أموالهم بالسوق الإفريقي في منافسة "لماما فرنسا" أزمة دبلوماسية كبيرة طيلة عام 2014 بين جر رئيس المخابرات المغربية عبداللطيف الحموشي أثناء تواجده بمقر السفير المغربي بباريس نحو القضاء بتهم التعذيب، وتزامن ذلك، وطبعاً ليس بالصدفة، مع الجولة التي كان يقوم بها الملك بإفريقيا قصد فتح أبواب الاستثمار وتثبيت ولاء الدول الأفريقية لمغربية الصحراء، جولة كانت تنذر بمحاولة انعتاق المغرب من الحماية الفرنسية التي لم تزل بعد عباءتها عن المملكة.. تلاها، لنفس الغرض: تشويش الزيارة الملكية الإفريقية، إهانة وزير الخارجية صلاح الدين مزوار بمطار باريسي، إلى نشر جريدة لوموند لمعلومات عن حسابات سويسرية تخللها حساب ملكي تم التركيز عليه، وبين هذا وذاك شتتت جهات فرنسية وثائق للجهاز الدبلوماسي المغربي على حساب مجهول بتويتر تحت اسم كريس كولمان.. انتهت بتصالح وزيارة رسمية لفرانسوا هولاند وتعاون على تنظيم المؤتمر الدولي البيئي الذي سيعقد بفرنسا نهاية الشهر الجاري والعام المقبل بالمغرب.

كل تلك المناوشات لمنع المغرب من الانعتاق والتصالحات بين السلطتين في جهة، وإحساس عامة الشعب المغربي اتجاه الثقافة الفرانكوفونية في جهة أخرى. فالغضب والحنق والألم الذي يعانيه المغاربة من ضغط الفرانكوفونية بلغ مبلغاً أصبحوا شبه عازفين عن الاحتفال بعيد الاستقلال.. ونحن نعيش بأنظمة مستنسخة حرفياً عن نظم الجمهورية، من التعليم إلى التطبيب إلى مدونة الأسرة إلى الإعلام.. لدرجة نمنع بعضنا من تخوين البعض من الاعتراف بالاستقلال إلا أن ينعتق تعليمنا من تدريس بعض المواد بالفرنسية وأخرى بالعربية في خلط لا فقط لغوي إنما خلط في الانتماء والهوية.. وتصير لغة موليير لغة أجنبية اختيارية. حتى ينعتق إعلامنا من اللوبي الفرانكوفوني الذي سطا عليه منذ "الاستقلال"، ويحاول أن يسطو على العقول المغربية.

حتى المؤسستان التشريعية والتنفيذية لم تسلما من هذا الاستعمار، فإن كانت الديمقراطية قادرة على إيصال ولاد الشعب إلى الحكومة والبرلمان، فقد قرر اللوبي الفرانكوفوني خلق مؤسسات موازية ليفرض نفسه أكثر فأكثر.. مؤسسات موازية من قبيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس إنقاذ التعليم، والمؤسسة العليا للسمعي البصري... ناهيك عن جمعيات المجتمع المدني وبعض الهيئات الحزبية التي لا تتنفس إلا بالقيم الفرنسية وتحاول فرضها على الدستور المغربي وعلى مدونة الأسرة.

إن كان العالم يعيش اليوم حربا ضد الإرهاب، ضد قوة إمپريالية دموية متوحشة تستعمل التصفية والإبادة الجماعية للتوسع.. فإن المغاربة اليوم يعيشون حربين: حرباً ضد تلك القوة الدموية كي لا تصل لبلدنا معاذ الله، وحرباً ضد قوة توسعية لم تعد دموية منذ "الاستقلال"، لكنها بنفس الوحشية في محاربة تمغربيت.. هي قوة الفرانكوفونية ونخبها الذي يحاربون هوية هذا الشعب. فلا أحد يعيب على المغاربة عدم تعليق العلم الفرنسي، فتضامننا مع ضحايا الإنسانية لم ينسنا تضامننا مع السيادة الوطنية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.