المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ميسرة بكور  Headshot

الأسد تبرير الهزائم وتعريف المواطنة

تم النشر: تم التحديث:

يفتح بشار الأسد -رئيس ما يطلق عليه النظام السوري- مزادًا يقول فيه: سورية ليست لمن يحمل جنسيتها بل لمن يدافع عنها، وهو تعريف جديد للمواطنة ويستحق بشار الأسد عليه براءة التأليف وحقوق الملكية الفكرية، على اعتبار أنه لم يسبقه إليه أحد في تاريخ الشعوب ولا في تاريخ العلوم السياسية والاجتماعية. بعد أن تم تنفيذ الشعار الشهير الذي أطلقه مايعرف "بالشبيحة" ومحازبي بشار الأسد في بداية الثورة السورية "الأسد أو نحرق البلد" من تدمير ممنهج لكامل المدن السورية على مدى أربع سنوات خلت من عمر الثورة السورية، اليوم يتم تنفيذ الجزء الذي عمل نظام الأسد عليه سرًّا، وحذر منه ناشطون سوريون، وهو التهجير القسري لشريحة سكانية معينة، بهدف إعادة التوزع الديمغرافي لسوريا التي يريدها نظام الأسد على مقاسه، أعلنها بشار الأسد بصراحة كون الموضوع لم يعد سرًّا أو خافيًا على أحد، والأمثلة في هذا المقام كثيرة لعل أبرزها ما حدث في "القصير" بريف حمص الجنوبي وسط البلاد، وكذلك في "يبرود" في ريف دمشق الشمالي.

قبل الولوج إلى تفاصيل خطاب بشار الأسد الذي ألقاها من قصره المطل على دمشق، دعونا نلقي نظرة على المشهد السوري قبل الخطاب. قبل يوم واحد من إلقاء "بشار الأسد" خطابه خرجت مظاهرة في أحياء دمشق الجنوبية تحديدًا منطقة السيدة زينب ذات الأغلبية الموالية للنظام السوري، لم يكن الهدف منها دعم الثورة السورية ولم تهتف بهتافات الثورة، بل منددة بنظام بشار الأسد وجيشه، وسوء الخدمات في أحد أبرز معاقل النظام في دمشق ومطالبه بفعل شيء ملموس عدا الكلام لوقف تقدم المعارضة في منطقتي "كفريا _ والفوعة " بريف إدلب المواليتين للنظام.

سبق الخطاب كذلك أن قامت المعارضة المسلحة بقصف مدينة القرداحة مسقط رأس بشار الأسد، وتحرير ما تبقى من محافظة إدلب، كما أصدر مرسومًا رئاسيًّا يعفو فيه عن الجنود الفارين من جيشه والمتخلفين عن الالتحاق بالخدمة الإجبارية، هذا كان على الصعيد الداخلي السوري.

أما على صعيد المنطقة؛ إعلان الحكومة التركية الدخول في التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ضد تنظيم الدولة، وقيام الطائرات التركية في تنفيذ قصف جوي على الأراضي السورية، ضد مواقع لتنظيم الدولة والمليشيات الكردية حليفة نظام الأسد، وتم الإشارة إلى أن هنالك اتفاق مبدئي على إقامة مناطق آمنة شمال سورية. من جانبها قامت "إسرائيل" بخرق اتفاقية فض القوات مع سورية واقتحمت مجنزراتها الشريط الفاصل وأقامت الدشم العسكرية.

من هنا نستطيع القول إن بشار الأسد خرج في خطابه هذا وهو في مأزقين التدهور العسكري الذي تشهده قواته في معظم الجبهات، وتذمر الفئات الشعبية الداعمة له جراء هذا التدهور وسوء الخدمات في مناطقهم من جهة، ومن جهة أخرى التصعيد التركي في الشمال والخرق الصهيوني في الجنوب.

لا نستطيع أيضًا إغفال حقيقة أن بشار الأسد خرج في هذا الخطاب قبل يوم من تقديم مبعوث الأمين العام الخاص إلى سوريا "إستيفان دي ميستورا" إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي الذي استعرض فيه آخر ما تم من مساعيه لإنهاء الوضع القائم في سوريا، حيث كانت رسالته من خلال هذا الخطاب واضحة إلى مجلس الأمن وممثل الأمين العام للأمم المتحدة السيد "بان كي مون" حيث قال بشار الأسد وهو العاشق لتحديد المفاهيم والمصطلحات: "نحن لا نتحدث عن حل سياسي، بل مسار سياسي" وأضاف الأسد أن "أي حديث عن حل دون محاربة الإرهاب كلام فارغ أجوف"، بهذا أيها السادة وباختصار مكثف نستطيع تلخيص خطاب بشار الأسد بجملتين فقط "الأسد أو نحرق البلد"، "أنا أو الإرهاب"، وعلى المجتمع الدولي الخيار ما بيني وبين الإرهاب والفوضى.

أما في تفاصيل الخطاب، نستطيع القول أنه خطاب تبرير الفشل، ورسالة إلى مؤيديه أن الوضع سيء، والجيش لم يعد يستطيع القتال في كل المناطق، معترفًا لأول مرة ولو بشكل مبطن أن جيشه يعاني من نقص في العتاد والعتيد. كما هي عادة النظام لديه تبرير لكل شيء، فالخسارة عنده إعادة تموضع ناجحة، ولأن هذا المصطلح أصبح مستهجنًا لدى جمهور النظام، فقد استبدله هذه المرة بتفصيل جديد: نريد حماية المناطق الاستراتيجية، وأن هزيمة جيشه في معظم الجبهات وفراره لم يكن هزيمة بل هو انسحاب تكتيكي يخدم استراتيجية عسكرية أكبر يفهمها فقط خبراؤه العسكريون، من حماية مناطق حيوية وترتيب الصفوف من أجل استعادة ما تم التخلي عنه.

كما جرت عليه العادة لا يزال الأسد منكرًا حقيقة كل مايحدث حولة ولا يريد الاعتراف بالهزيمة والفشل، حيث إن كل الوقائع تقول: إن جنوده فروا حفاة عراة من مواقعهم في غالب الجبهات ولم يكن انسحابًا ولا إعادة تموضع.

يظل الأخطر في خطاب الأسد، أنه مهد الطريق أمام توطين آلاف المرتزقة في سوريا من مختلف جنسيات الأرض، تحت عنوان أن سوريا لمن يدافع عنها، كل ما عدا هذا تظل تفاصيل هامشية لا قيمة لها، من شكره لإيران التي تدعم نظامه إلى اعترافه الصريح ولأول مرة بمشاركة مليشيا حزب الله إلى جانب قواته في الحرب ضد السوريين وهو الأمر الذي طالما حاول إنكاره.

خلاصة القول أن ما أراده بشارالأسد من خطابه كان توجيه رسالتين، أولها للمجتمع الدولي تقول: إما أنا أو الإرهاب، ولا تجهدوا أنفسكم في البحث عن بديل لنظامي؛ فالبديل هو "داعش".

الرسالة الثانية لمحازبي نظام الأسد ومواليه، أن الوضع سيء ولم نعد قادرين على القتال في كل الجبهات وعليكم أن تتحملوا وتصمتوا، وتتهيؤوا للتقسيم، ومن لا يريد أن يقاتل دفاعًا عن سلطتي فهنالك بديل ويستحق منحه الجنسية السورية التي ستسحب من كل من يفر من المعركة.

رغم خطاب بشار الأسد المتلفز المطول، لم يأت الأسد متعمدًا على أي ذكر أو إشارة للحديث عن التصعيدين الأخيرين في الشمال والجنوب من قبل كل من "تركيا، وإسرائيل" لأنه ببساطة يعتبر أن معركته الحقيقية مع الشعب السوري فقط لا غير.