المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ميسم أحمد عزام Headshot

أعزائي طلاب كليات الإعلام في العالم العربي.. يؤسفني أن أقول لكم

تم النشر: تم التحديث:

أن تكون طالباً في كلية الإعلام ليس شيئاً عاديّاً، بل ظاهرة يجب التوقف عندها.

بعد موجة الإقبال الكبيرة على اختصاصات الإعلام والصحافة وصناعة الأفلام، يكاد لا يخلو حي من إعلامي مرتقَب، كل الأعين عليه، وبعد أن كان الجميع يعتزّ بطبيب القرية أو مهندس البلدة، أصبح الجميع يتطلّع للإعلامي أيضاً.

حقيقةً أن تكون طالباً في كلية الإعلام يعني أن من حولك يتوقّعون منك الكثير، وبـ"من حولك" أقصد الجميع، حرفياً.

أن تكون طالباً في كلية الإعلام يعني أنك ستبدأ يومك الدراسي الأول في الجامعة، واضعاً نصب عينيك أنّك يوم تخرّجك ستصبح "جمال ريان" القادم، أو ستكونين "خديجة بن قنّة" المستقبليّة، ستظنّ أنك ستعرّج على CNN وBBC وAP ثم ستختار وظيفتك بنفسك.

عزيزي الطالب.. يؤسفني أن أقول لك إن هذا لن يحدث، لا أقصد التهكّم، لكنّ جمال ريان بشحمه ولحمه لم يبدأ مسيرته في الجزيرة إلا بعدما تعدّى العقد الرابع من عمره، أي بعد نحو عشرين سنة من يوم تخرّجه.

أن تكون طالباً في الإعلام يعني أنك على الأغلب ستشتري كاميرا شبه احترافية في أول فصل دراسيّ، سيلقّبك الناس بالمصوّر، وإن تماديتَ فأنت على الأرجح ستنشئ صفحة مؤقتة على الفيسبوك اسمها "فلان فوتوغرافي".

عزيزي الطالب.. ستعطيك الكاميرا "وهرة"، سيحترمك الناس أكثر، وسيخاف منك البعض إما لظنّهم أنّ صورهم ستُنشر في برنامج مسائي فضائحيّ، أو لظنّهم أنها سلاح روسي متطوّر.

أن تكون طالباً في كلية الإعلام يعني أنك ستصبح ميكروفون المجتمع الذي تأتي منه، ستكون أول من يعرف بأخبار الحي لاعتقادهم أنك بمثابة "رويترز" المحليّة، جارك سيطلب منك نشر قصّة صاحب الدكّانة الذي نصب عليه، وزوجته ستطلب منك الحديث عن بخل زوجها مع الحفاظ على سريّة هويتها، والمسكينان لا يدركان أنّ أكثر المواضيع جرأة، تلك التي يطلبها منك أستاذك في الجامعة، قد تكون عن محاصيل البرتقال وميل طعمه للمرارة في فصل الصيف.

أن تكون طالباً في كلية الإعلام يعني أنك ستحصل على صور احترافية من رفاقك في المجال نفسه، ستغيّر صورة البروفايل دورياً، وستدور هذه الصور كلها حول موضوع واحد: صورة والكاميرا في يدك، صورة وراء الكاميرا في استوديو الجامعة (إن وُجد)، صورة لانعكاسك وأنت تصوّر، صورة مع جريدة أو كتاب، صورة وأنت تتفكّر في قضايا الأمة، صورة "لم أكن أعلم أن أحداً يلتقط لي صورة"، صورة وأنت تنظر للأعلى استشراقاً للمستقبل، وغيرها من الصور التي تكاد تنطق: "يا ناس، أنا في كلية الإعلام".

أن تكون طالباً في كلية الإعلام يعني أن ستستهلك القضايا الحساسة، ستتسلّق وستشرق مسيرتك المهنيّة على أكتاف قضايا أسمى من كلية الإعلام نفسها، كالقضية الفلسطينية والقدس، والثورة السورية واللاجئين، سيصبح حسابك على فيسبوك أو تويتر منبراً لهذه القضايا، وصوتاً لمن لا صوت له، كثيراً ما سيوقفك في الشارع مَن يئِس من تحصيل حقّه؛ ليقول لك: "جِب لي حقّي".

أن تكون طالباً في كلية الإعلام في دولة عربية يعني أنك لن تستصعب إيجاد قصصٍ جديدة لتتكلّم عنها، فلله الحمد كلّه، المصائب هنا لا تعدّ ولا تحصى، ولمّا كان الإعلامي يسعى دائماً لتسليط الضوء على غير المألوف، فالقصص غير الاعتيادية هنا كثيرة، أنت، وبكلّ أريَحيّة، قادر على أن تخرج بعدد لا متناهٍ من قصص في مدينة عربية واحدة، بشرط أن تتقن صيغ المبالغة والطرق المُلتوية التي تجذب القارئ العربي.

أن تكون طالباً في كلية الإعلام يعني أن جمهورك سيكون أكثر عرضة لتصديقك حتى وإن كانت كذبتك واضحة، ستكون دراستك الجامعية بمثابة تذكرة مصداقية، ممّا سيتيح لك لاحقاً فرصة "التفلسف" في ما لا يعنيك، التحليل السياسي اللامنطقي، استهجان واستنكار أي أحداث سياسية في المنطقة وإعطاء رأيك فيما لا يفيد، كل هذا تحت غطاء لقب "الإعلامي"؛ بل وبتصفيق وتشجيع من حولك.

أن تكون طالباً في كلية الإعلام يعني أنك بإمكانك أن تُحدث فرقاً.

عزيزي زميلي في الاختصاص.. على الرغم من كل الامتيازات التي قد تحصل عليها بسبب مجالك، أو الشهرة التي قد تحوز عليها في مجتمعك خلال وقت قصير، دعنا لا ننسى أننا ندرس الإعلام لهدف، دعنا لا ننسى أننا أصحاب قضايا وليس قضية واحدة، ناضل من أجل ما تؤمن به، قاتل من أجل أن تُحدث فرقاً بسيطاً فيمن حولك، ثمّ أنت حر، غيّر صورة البروفايل كما يحلو لك.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.