المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ميساء الشريف Headshot

نوبة عشق

تم النشر: تم التحديث:

كانت شاردة، قليلة الكلام، تتنهد كثيراً، لا يعنيها ما يحصل حولها، كأنها تراجع نفسها بصمتها، كأنها تغضب وتندم في إعصار داخلي لا يتوقف، تبتسم وتحزن في لحظات متتابعة، تلوم نفسها على ذنب غالباً لم تقترفه وكلمات لم تقُلها ومشاعر لم تطلقها كما يجب، فالعاشق لوّام لنفسه، لوعته تحرقه، خيبته تطفئ بريقه.

تشتاق، تبكي، وتتذكر ثم تتذمر، تقوى وتضعف، لكن الواضح أن قلبها كان يؤلمها جداً.

يبدو أنها كانت واقعة تحت تأثير نوبة "هستيريا العشق" التي يخسر فيها صاحبها أكثر مما يكسب.

ذلك الإعصار الذي يمر به العاشق فلا يعود بعده كما كان أبداً، حيث يتعلق ويرى من يعشقه أنه كامل، ويرفض تحكيم عقله في أمور يراها غيره واضحة.

ساعتها يرى كل من يعاكسه عدواً، ورغم كل هذا يغادره ذلك السراب في وقت أسرع مما يتخيل ليصفع ممن عشقه "أكثر من اللازم"، فعشقك للأشخاص يدفعهم للخروج بالاتجاه المعاكس.

هكذا كانت كل القصص التي كانت المشاعر فيها "مفرطة" تتحول إلى طفرة تتألق فترة ثم تهبط، فيخسر أحد القلبين ويتخطى الأمر الآخر.

وكل المشكلة كمنت في كلمة واحدة هي "جداً" التي حوَّلت الحب إلى عشق، حوَّل العلاقة إلى هستيريا متعبة، بدلاً من علاقة طبيعية سلسة تكتمل على الوجه الصحيح وبالطريقة السوية.

تلك الحالة التي كانت بها الفتاة دعتني أدرك أن العشق ضعف والحب قوة.

نعم فقد صنف العشق في الثقافة العربية القديمة على أنه جنون، كوصف الأصمعي للعشق بأنه ذل وجنون.

كما صنفه غالبية الأطباء المسلمين كابن سينا مثلاً على أنه مرض، واصفاً أعراض هذا المرض على الوجه والجسد والفكر، كاتباً وصفات ونصائح لكل من يعاني هذا "المرض" أو كل مَن حول "المريض".

إن الإنسان إذا استسلم لحالة العشق أصبح في حالة ضعف وحزن وتراجع دفعته لخسران الكثير، ستتابع الخسارات شيئاً فشيئاً حتى يخسر نفسه ثم معشوقه الذي سيترجل بعيداً عن حياته عندما يرى ضعفه وتعلقه، فهذه طبيعة غالبية البشر "ملولون".

إذا شعر الإنسان بذلك الذبول الذي يصيب الإنسان في هذا الحالة لا بد أن يستيقظ ويعرف أنه في الطريق الخاطئ.

هذا الذبول يعني أنه في حالة غير صحية، ذلك التخبط الذي يصيب روحه فتصيبه الغيرة والشكوك والأوهام، فلا يصدق ما تراه عينه بل ما يربطه بمن يعشقه فقط يتبع سراب مَن يعشق ويوافق أفعاله مهما حصل.

نعم الأمر ليس بهذه السهولة، لكن الموضوع يحتاج المحاولة والمقاومة والحفاظ على قيمة الذات وتقديرها.

على المرء أن يكون متأنياً ناضجاً يسمع لصوت عقله مهما كان منخفضاً.

نعم احذر أن يخسرك العشق نفسك، احذر أن يريك الخطيئة حقاً والكذب صدقاً والدناءة طريقة.

فكل شيء يمكن تعويضه في هذه الدنيا إلا نفسك وصحتك وعقلك.

نعم علينا أن نتعوذ من العشق ففيه خسارة ونتمنى الحب السوي المتزن ففيه الحياة.

لا أعرف لماذا شعرت أنني بحاجة لكتابة بعض الكلمات التي قد يحتاجها مَن يقع تحت " نوبة" عشق، تمهل لنفسك عليك حق.

ليكن ذوبانك عشقاً هو لله فقط، ذب عشقاً في الله، فعشق الله قوة وثبات، وعشق عبيده ذل وهوان.

لقد قالت لي تلك الفتاة التي وصفتها في بداية مقالي: "لقد خسرت نفسي؛ لأنني عشقته، ثم خسرته هو الآخر، لعلي لو أحببته فقط لما افترقنا أبداً".

أظنها أدركت الحقيقة فيما حصل، وتعلمت وفهمت درساً للحياة، أدركت تلك الفتاة ما حصل بعد نهاية عاصفتها، وهكذا نتعلم الدروس عندما نخوض التجارب الموجعة التي تأخذ بيدنا للتجارب القويمة الجميلة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.