المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ميساء أبو هلال Headshot

"الشماغ الأحمر" على السجادة الحمراء في الأوسكار!

تم النشر: تم التحديث:

ستخرج من صالة السينما بعد مشاهدتك فيلم "ذيب" للمخرج ناجي أبو نوار، مأخوذاً باتساع الصحراء ومشهد النجوم في السماء كأنك لم تره من قبل، وإن كنت قد زرت "وادي رم"، حيث صُورت أحداث الفيلم، عشرات المرات. سيخيل إليك أن رائحة البارود تملأ أنفك، وتتحسس ثيابك خشية أن يكون قد أصابها أثر من الدم الطائش، وقد تتلفت يميناً أو يساراً بحثًا عن مصدر صوت صفارة قطار، ستجده أخيراً ذهب ولم يعد موليا لك ظهره، عابراً سكة حديد الحجاز.

صاغ باسل غندور، كاتب السيناريو، قصة محبوكة ببساطة وعُمق، تستعرض الحقبة التاريخية التي اتحد فيها الشرقي البدوي مع الغربي الإنجليزي ضد الأتراك العثمانيين إبّان الحرب العالمية الأولى. سكة حديد الحجاز برمزيّتها تشكل محوراً أساسيًّا في الفيلم من جانبين: أولهما دورها في تهديد مصالح الإنجليز في المنطقة، وثانيهما أنها قضت على دور "الدليل" الذي كان حرفة فئة من البدو ومصدر رزقهم. يُظهر الفيلم كيف استطاع الإنجليز أن يكسبوا أبناء القبائل العربية لصفّهم، فأصبحت الكتيبة الواحدة تضم إنجليزيًّا (لا يعرف الصحراء ولا تعرفه) وبدوياً (يبدو تابعاً) أكثر منه سيد الصحراء كما اعتاد أن يكون.

ومن جهة أخرى، اختصرت سكة حديد الحجاز المسافة والزمان على الحجاج، فبدل أن تستغرق رحلتهم أربعين يوماً أصبحت تحتاج إلى خمسة أيام فقط، وبذلك انعدمت الحاجة للدلّالين في الصحراء، ولذلك فقد لجأت بعضهم لـ"قطع الطريق" ليحيلوا بئر الحياة دماً أحمر -كما ظهر في الفيلم- من جثث لأبرياء عابرين أو "ثوار" محاربين، أكانوا عرباً أو إنجليزاً أو أتراكاً، لا يهم، بعد أن كانوا يكسبون أجرهم من إرشاد الحيارى، تجّاراً أو حجّاجاً، في درب الصحراء الممتد إلى ما لانهاية.

ذيب الطفل، بطل الفيلم، مثل الروح العربية البدوية المجرّدة، غير مدرك لكل التفاصيل العرقية أو السياسية، لا يعرف الثورة العربية الكبرى، ولا يهتم -في عمره ذاك على الأقل- بأبعاد الاتحاد مع غربي إنجليزي والخلاف مع شرقي عثماني. حاد النظرة رُغم انكسار اليُتم فيها، متحفّز، فضولي تجاه الزائر الإنجليزي أحمر الشعر -كما رآه- الذي لا يتحدث لغتهم، ولا يشبه لونهم. قاده فضوله ليتبع أخاه "حسين" ويدخل في رحلة أكبر من عمره، وأقسى من قيظ الصحراء الذي يخيم على معظم مشاهد الفيلم، فيشهد مقتل أخيه، ويهرب ليختبئ في بئر، لينجو -بإصراره الكبير- من موت محقق بالرصاص الطائش من عصابة قطاع طرق، إلى موت شبه محقق.

تحوّلت ارتجافة شفتي ذيب المرتبكة خوفاً في أول مرة يسمع فيها ضرب الرصاص، إلى رصاصة في لحظة شجاعة، تخترق قلب الخائن قاتل أخيه، ينتهي بعدها المشهد بانصراف ذيب الصغير وحيداً في الصحراء الكبيرة، تاركاً السكة العثمانية خلفه، شاقًّا طريقه دون "دليل".

الصورة في الفيلم مدهشة، والموسيقى التصويرية بقوتها تبقيك في الأجواء حتى بعد مغادرتك للفيلم. اللهجة البدوية -رغم صعوبتها- ساحرة، والصوت البدوي في الهيجنة -التي تمنيناها لو طالت في الفيلم- أشد سحراً. وإذا لم تفهم بعض الكلمات في الفيلم فستنقذك الترجمة المتوفرة إلى العربية الفصحى، أو الإنجليزية. اختار أبو نوّار للفيلم "ممثلين" من قلب الصحراء ليس لهم أي تجربة سابقة في التمثيل، مما جعل أداء بعض الممثلين جافّا وبارداً.
أخيراً، ستخرج من الفيلم غير متأكد أنك فهمت ما يريده المخرج بالضبط، وسترغب غالباً، أن تشاهده مرة ثانية. ربما تعد هذه علامات جيدة لنجاح فيلم ما!

أُنتج فيلم "ذيب" بدعم من العاصمة الإماراتية أبوظبي، وحاز في عام 2014 على جائزة أفضل فيلم من العالم العربي من مهرجان أبوظبي للأفلام. ثم حصل مؤخّراً (فبراير/شباط 2016) على جائزة "البافتا"، وهي بمثابة الأوسكار البريطانية، وترشّح أخيراً للفوز بجائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي، ليكون الفيلم العربي الوحيد المرشح لهذا العام مع خمسة أفلام أخرى؛ كان منافسه الأكبر من بينها فيلم "بن شاؤول" الذي يحكي معاناة اليهود في هنغاريا. أُعلنت النتائج فجر اليوم 29 فبراير بتوقيت مكة المكرمة، 28 فبراير بتوقيت لونس أنجلوس، لتحسم الفوز لصالح "بن شاؤول"، ولتُبقي السؤال مفتوحاً عن أثر هيمنة "اللوبيات" العرقية والدينية في هوليوود في هذه النتيجة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.